مقدّمة الكاتب 
المصباح في المشكاة


هذا الكتاب، هذا كتابكم، هذا القرآن العظيم والتوراة المقدسة والانجيل المنير، هذا الغيتا انشودة العقل وحديث البوذا الشريف، فالحق نقول لكم ان الهكم واحد، ورسوله واحد، ورسالته واحدة.
اما اذا كنتم ترون الكتب مخالفة لبعضها، اما اذا كنتم ترون الرسالات مختلفة غاياتها، اما اذا كنتم تظنون ان الكتاب الذي تقولون انكم تؤمنون به هو الكتاب الصحيح وان الكتب الاخرى دونه صحة، اما اذا كنتم تظنون ان الرسول الذي تقولون انكم تتبعونه هو الرسول، وان الرُسُل الأُخر دونه مرتبة، فذلك لأنكم لا تفهمون ما جاء في كتابكم، ولا تفهمون ما جاء في الكتب الاخرى، ولا تفهمون ما جاء في هذه الصفحات، فهل تفهمون؟
ان الكتاب هو نور المصباح في المشكاة، يخترق نوره قلوب الناس جميعا، فلا يبقى للناس حجة، فأما الذين قلوبهم فارغة فإنه يخترقها ولا يجد فيها ما يضيؤه، فتبقى مظلمة كأن لم يدخلها نور.
واما الذين في قلوبهم حجارة، فقد اضاء حجارتهم ببهرجها وزخرفها، اؤلئك الذين كفروا وحسبوا انهم مؤمنون، وضلوا وحسبوا انهم مهتدون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً.
واما الذين في قلوبهم حياة، اضاءت سماؤهم بشمسها وقمرها ونجومها، عبرتها سحب امطرت فأخرجت ثمراً طعمه حكمة وذكرى لمَن القى السمع وهو شهيد، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
ام حسبتم ان الحياة الدنيا غاية الحياة الدنيا، تلك هي التي هبطتم اليها جميعاً، فانظروا الى الحق يبدأ قمراً حتى اذا اكتملت دائرته يُنقِصَه، ليبدأ قمراً جديداً، والكمال للحق وحده فوق اعراض الكون.
ان دين الله يخرج الناس من الظلمات الى النور، واعلموا ان هناك مدينتين، واحدة في الغابات الاستوائية، يجرِ فيها نهر انتنت ماءه الأوبئة وجُثَث البهائم، يقول لهم رسولهم من جملة ما يقول: لا تشربوا ماء النهر الا لتغلوه حتى يجف منه قليل. 
واخرى في سهل اخضر، احاطتها جبال، كستها ثلوج آلاف السنين، يتفجر من صخورها ماء يجري نهراً عذباً، يقول لهم رسولهم من جملة ما يقول: اشربوا ماء النهر لذة واستشفاء.
هذا كتابكم، فاقرؤؤه في قلوبكم، عسى ان تتذكروا كلمة ربكم، وعدكم الله ان يرسل اليكم هدىً من رحمته، ان وعد الله حق.
انشودة العقل:
يتسلق الطالبون هرم المعرفة ابتداء من قاعدته متفرّقين، ويصفون ما يرون في وجهاتهم فتختلف الاوصاف، لكنهم كلما ازدادوا ارتفاعاً اتّسعت آفاق رؤياهم فتطابقت الاطراف، واذا استمروا في الصعود وصلوا الى تلك القمة عينها، هنا الرؤيى واحدة، وقد استقرّت الاتجاهات على الأفُق الدائري.
فهنيئاً للواصلين الطرب الاصيل، فمِنْ لطافة النور الوجودي حُبِكت الاركان العِظام الأربعُ، على شروخها قامت صروح جمال الكون الأغر، وتحت سقفها المرفوع يرتل ابناؤه فرحاً: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
كرِشنا:
هل جالستَه في تلك الجنات، وقد احاطته الملائكة والكائنات، يُعَلِّمهم لا بالكلام ولا بالعمل ولا بالصمت، وعَلَّمَهم بالوَجد، يشير الى النجم، فينظرون، فتُطرَب عقولهم ويُسَبِّحون.
هل التقت عينك عينه، فمِن فَيض حبه يضيء الكون وينبض قلب الحياة، وعلى موسيقى نايه، ترقص المجرّات وتتزامَن مسارات الكواكب، ولا يزال عُشّاقه وبعد آلاف السنين يرتلون انشودته، جالسين تحت قُبّته الزرقاء متهجِّدين، لقد تحرروا من الترابية، فحلّقت ارواحهم وطرقت رتج اندروميدا، "ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين".
________________________________________


غيتا

مقدمة الدرس الاول
قد لا يحتاج القارىء لمعرفة الكثير عن الظروف والعداوات بين ابناء العم احفاد الملك باراتا، التي ادّت بجيشهما العظيمَين المؤلفَين من ابناء ياندو وجنودهم بقيادة ارجونا، وابناء عمهم دراتارَسترا وجنوده الأشرار، لمواجهة بعضهما في ساحة الحرب. تلك التفاصيل ليست اساسية لفهم رسالة الغيتا الروحية.
جُلّ ما في الأمر، ان ارجونا ذو القوس والسهم، الفارس النبيل الاسطوري الشجاعة والكريم الخُلُق، وجد نفسه مواجها ابناء عمه ومعلّميه في ساحة الحرب، وبالواقع امام معضلة اخلاقية ودينية لم يكن لديه الكثير من الوقت للتأمل بها.
عندئذٍ اتجه الى معلمه الملك الحكيم كرشنا الذي كان قد اختار ان يرافقه في عربة القتال دعما له، وطلب منه النصح لإيجاد حلّ لحيرته وارتباكه.
ان الغيتا هي ذلك الجزء من ملهمه الماهابارتا الذي يحوي الحوار الذي دار بين كرشنا وارجونا قبَيل بدء القتال، حول تلك المعضلة.
وبحسب الملحمة، يجلس دراتاراسترا في قصره، وهو اَكْفَهْ، ويجلس بجانبه سانجايا احد معاونيه، الذي اعطاه معلمه الروحي قدرة لمشاهدة ساحة المعركة بالبصيرة من مسافة بعيدة. ويسأل دراتاراسترا سانجايا: "اخبرني ماذا يفعلون؟ فيحكي سانجايا لدراتاراسترا ما يرى ويسمع ببصيرته عبر الأثير.
الدرس الأول في الغيتا يصف ساحة المعركة والجيشين، ثم يبدأ ارجونا بالكلام فيطلب من كرشنا ان يقود العربة الى مكان بين الجيشين لكي يتمكّن من رؤية اعدائه. لقد اختصر المعرِّب هذا الدرس وحذف الكثير منه تاركا حوار ارجونا، فهو ما يحتاج اليه القارىء لفهم ما يدور في قلب ارجونا وما سبب حيرته.
الدرس الأول
الحرب
ارجونا: الآن وقد رأيت رفقائي قد تراصفوا تأهّبا للقتال شُلّت يداي، جفَّ حلقي، ارتعش جسمي، اقشعر جلدي وكأن لهيباً لفحني، حتى قوس غافيندا خطرت في يدي، ورأسي اخذه الدوران.
كرشنا لن استطيع الصمود، لقد تداعى عقلي وفقدت صوابي. اني ارى طيْرة الشر واضحة، ولست ارى خيرا في قتل اخواني في هذه الحرب، لا ولا انا راغب في نصرٍ كهذا ولا في المملكة والمجد المبنيَّيْن عليه.
كرشنا، يا ذا النور، اي حق لي في المملكة والسعادة، حتى في الحياة نفسها التي تقوم على جثث الأقربين؟
ان هؤلاء الاصحاب والاقارب والاحفاد والاجداد والأخوة والمعلمين الواقفين امامي ليسوا اعداءً، فلِمَ اعاديهم؟
يا احكم الحكماء، لن اقاتل، حتى ولا لقاء العوالم السماوية، دع ممالك هذا العالم جانباً.
هذه خطيئة، قتل دراتاراسترا واصحابنا ليس من حقنا، بأي مَغْنَم ونصر نحن طامعون معتدون، استباحوا قتل اخوانهم والاساءة الى الاقربين، ولكن نحن، نحن الذين نرى الشر في اعمالهم لماذا نبادلهم نفس الشرور؟
لئِن قضينا على قبيلتنا قضينا على تقليد عريق وعلى مُثُلنا الدينية، واستُبيحَت نساؤنا وتلوّث نسلنا واختلط الحابل بالنابل، هذه جهنم لِمَن يقتل رجال قبيلته، يبقى شَبَح آثامه اجيالاً، ولا مَن يقدِّم القرابين لسلام روحه المعذّبة، هذه نهاية قبيلتنا ويحكمنا قوم اشرار وتنتهي حياة كريمة ميمونة.
________________________________________

مقدمة الدرس الثاني
لقد مرّت آلاف السنين على كتابة الغيتا بلغة قديمة قِدَم التاريخ المعروف، برموز وكلمات لا بد ان تكون قد خضعت للتغيير عبر الزمان. 
ان معظم الهنود اليوم يقرؤون الغيتا منقولة الى لغة الهند الحديثة: الـ "هندي"، وتبقى الغيتا في لغتها الاصلية: "السنسكريت" من اختصاص المتخصصين.
اما بقية الناس فانهم يقرؤونها منقولة الى الانغليزية او الى لغات اخرى.
كما هو الحال في كل مخطوطات الحكمة والفلسفة القديمة، هناك كلمات ومصطلحات في الغيتا يصعب نقلها الى اللغات الحديثة لافتقارها الى المرادفات، فضلاً عن ان الكثير من المترجمين لا يفهمون ما يقرؤون.
فليس غريباً والحال هذه ان نرى اختلافاً بين هذه الترجمات يبلغ مبلغاً بعيداً في بعض الاحيان، خصوصا في الآيات التي تحتمل أكثر من تأويل.
ان اية محاولة لنقل الكتب والاحاديث المقدسة من لغة الى اخرى، سوف تبقى مقصِّرة ما لم تضع الكتاب المُراد نقله في اطار وحدة الرسالات السماوية، بحيث يمكن للناقل تحديد القصد من النص، ومن ثم ايجاد الخطوط الموازية بين الكتاب المُراد نقله ومُعتَقَد المترجِم، او المعتقد المألوف لديه، الأمر الذي يُمَكِّنه من استعمال التعابير والكلمات الملائمة بلغة النقل، فتكون، والامر كذلك، نتيجة عمله اكثر وضوحاَ واسهل فهماَ، وان لم تبلغ كمال النص المنقول.
ولكن مهما كان الأمر، فإن في الغيتا كلمات لا مرادف لها في اللغات الغربية او العربية، ككلمَتَيْ يوغا وكارما، اللتان باتتا مستعمَلتان كما هنَّ في معظم لغات العالم.
ان الغيتا تتحدث عم مختلف طُرُق اليوغا، فاليوغا هي مسلك صوفي عِرفاني، يلتزم به الانسان الذي اختار ان يكرّس حياته بكلِّيتها لترقية نفسه واعلاء ادراكه العقلي والروحي. لقد استعمل المُعرِّب كلمة "جهاد" في بعض الاحيان كمرادف لكلمة يوغا، فإن اليوغا هي جهاد في سبيل الوصول الى الحقيقة، واحياناً استعمل كلمة "عبادة"، فالعبادة هي سلوك هذه الطريق، لكن كلمة عبادة اصبحت ذات مدلول طقْسي شعائري في اذهان الناس اليوم.
اما كلمة كارما فهي تعني العمل الذي يقوم به الانسان وما يترتب عليه في الأمد القريب والبعيد من عواقب حسنة اوسيئة بالنسبة له، في هذه الحياة او في الحيوات المقبلة.
الدرس الثاني
المعرفة
سانجايا: عندما رأى كرشنا ارجونا حزينا، وقد اغرَوْرَقَت عيناه بالدموع وأوهنت الشفقة قلبه، خاطبه قائلاً:
كرشنا: ارجونا، كيف دَخَلَت هذي الشوائب قلبك، ولِمَ الحيرة في هذه الساعة المُلِحّة، دّعْ ذا للجُهَلاء، الحيرة والشك يحولان دونك والسمو الى الدوائر العُليا ويجلبان الذل يا ارجونا.
يا ابن باراتا، لا يليق بك هذا العجز،
فلا تستسلم له، رُدَّ عنك هاتِي الجبانة، وقِف صامدا يا قاهر الاعداء.
ارجونا: يا قاتل الشر يا كرشنا، كيف لي ان اواجه بِشْما ودرونا بالسهام في هذه المعركة. وهما معلِّمايَ ويستحقان كل التبجيل.
انه لأفضل لي ان اعيش مُتَسوِّلا من ان اعيش عَيْشاَ رغذاً مخَضّباً بدماء معلِّمَيَّ العظيمَين. طامعان هما بأمجاد هذا العالم، لكنهما لا شك معلمان عظيمان. هل يمكن للسعادة في هذه الحياة ان تُكتَسَب بالدماء؟
ان تهزمهم ام ان تُهزَم، ايهما افضل؟ 
لأنْ قتَلَنا ابناء دراتاراسترا تبدّلت حياتنا، ولكن ها هم يواجهوننا في ساحة الحرب. 
لقد اربكت الحيرة عقلي وافقدتني رباطة جأشي. 
كرشنا قُل لي ارجوك، انا تلميذك المطيع، اضرُع اليك في موقف ضَعفي هذا ان ترشدني الى ما هو خير لي، اني مستَسلِم لك.
لا وسيلة لي لطرح هذا الحزن الذي شلَّ عقلي، حتى نشوة الانتصار ومَغَانِمِه ومجد مملكة الارض والسلطان يعجزون عن ذلك.
سانجايا: انهى ارجونا قاهر الاعداء خطابه 
قائلاً: كرشنا، ايها الرقيب العتيد، انّي لَن اقاتل
كرشنا: ان ما تتحسّر عليه غير جدير بالحسرة، ما قلته حكمة تعلمتها، لكن العارفين لا يتحسّرون على الموتى، ولا على الاحياء يحزنون.
لَم يأتي حينٌ من الدهر لم نكن فيه، لا انا ولا انت ولا أي من هؤلاء الملوك ولن يأتي حين لن نكون.
فكما تمُرّ الروح في هذا الجسم من الطفولة الى الشباب فالمَهرمة، كذلك تمرّ عبر الموت من جسم الى جسم، العاقل من ذا على يقين.
يا ابن كونتي، السرور يَعْقُب الحزن كما يَعْقُب الربيع الشتاء، لكلِّ طارىءٍ ميعاد وَوَقْعٌ على الحواس، عليك ان تتحمّل هذا بصَبْر.
ان الذي لا تعكّر المَلَمّات صفاء نفسه ولا تغرّه مَيْسرة، ذلك هو الذي ينعم بالحرية، فهو المطمئِن في كل حين.
اعلم ان كل متحول زائل، واما الذي لا يخضع للتغيّر فهو ازلي، لقد عَرَف العارفون هاتَيْن الطبيعتين. 
واعلم ان الروح التي تشع في هذه الاجسام لا تفنى وليس لها حدود، ولا يمسّها احد، واما الجسم ففان.
لذلك يا ابن باراتا عليك ان تقاتل. مخطىء مَن ظنّ ان الروح تقتُل الروح، هي لا تقتُل ولا تُقتَل. تعالَت على الموت والولادة، ليس لها ابتداء ولا انتهاء، ولا تولَد في هذا العالم، ازلية لا تموت بمَوْت البَدَن.
فيا ابن باراتا، كيف يمكن الذي يعلم ان الروح ازلية لا تولَد ولا تتحول، ان يقتل نفسا او يؤذيها؟
كما يلبس الانسان قميصا جديدا طارحاً ما اهترأ، ترتدي الروح جسماً جديداً بعد خلع القديم.
هي الروح لا يطعنها رمح، لا تحرِقها نار، لا تُغرِقها ماء، ولا تَعْصِف بها ريح، لا تُطعَن، لا تُحرَق، لا تتحلّل ولا تجف، تحيى الى الأبد وتشعُّ حيث تتجسّم، لا تُحْوِجها حاجة، ولا يثوبها ضريح. قيل ان الروح لا تُرى ولا تُدرَك ولا تخضع للتحول، والامر كذلك لا يحق لك ان تتحسّر.
واما اذا كنت من الذين يعتقدون ان الروح تُولَد وتموت، حتى بهذا الاعتقاد ايها الفارس، لا يحق لك ان تحزن. كل مولود يموت، وكل ميت مبعوث، فلا محالة من ذلك، لذلك قاتِل عدوك ولا تستَكِن.
في البدء الخلق روح بلا جسم، وفي البون يظهر الجسم، وفي النهاية يبقى الروح، فعَلامَ حزنك؟
بعض يرى روعة الروح، بعض يحدّث عنها، بعض يصغي ويدرك، وبعض يسمع ولا يفهم.
فيا ابن باراتا، هذا الروح اللطيف في هذا الجسم الكثيف لا يُقتَل فلا تتأسّف على الاحياء.
قاتل في سيف الحق، هذا واجبك الشرعي كفارس، قاتل ولا تتردّد.
ما اسعد الفرسان الذين اذا سمعوا نداء الحرب هبّوا فَرِحين، فقد فُتِحَت لهم ابواب الآفاق العليا.
اما اذا تقاعستَ عن واجبك المقدس فقد اخطأت، وخَسِرْتَ مكانتك كنصير للحق، وتلوّثت سمعتك الى الابد.
العار اشقَّ من الموت على الرجل النبيل، المحاربون القُدامى الذين يكنّون لك الاعجاب سيتّهمونك بالجبن، ويُعَيِّرونك به، اما اعداؤك فسيختلِقون الاكاذيب، سوف يتبارون بالهزء منك، اهناك حال اكثر ايلاماً؟
لئن قُتِلتَ يا ابن كونتي ارتقيت الى الدوائر العليا، ولئن انتصرت كسبت مجداً في الارض، فانهض وصمّم على القتال.
تقبّل بنفس راضية السرّاء والضرّاء، والربح والخسران، والنصر والهزيمة، قاتل لانه واجب عليك، وبروح الرضى هذه لا إثمَ عليك.
كل ما قدّمته لك حتى الآن هو تحليل منطقي، ولكن اسمع كيف انّ الجهاد المقرون بالمعرفة يحرّرك من قيود نفسِكَ. في هذه اليوغا لا خسارة في الحِسبان، وان اقلّ ممارسة لها تساعد الانسان على تجنّب المخاطر.
الذين يسيرون على هذا الطريق يريدون شيئاً واحداً، ليس إلا، في هذا العالم. 
يا ابن كوروس المحبوب، انّ الذين تعددت غاياتهم وتوجهاتهم هم الذين اتّبعوا اهواءهم. ضعفاء العقول والقلوب يتعلقون بالوعود التي في كُتُب الفيدا، فهذا ما يفهمون.
انها وعود بالجنّات والملذّات وما تهواه انفسهم.
ان الذين اثقلتهم رغباتهم الجسمية والثراء المادي يعجزون عن الجهاد بنفوسهم، وتعمى عقولهم عن التبصّر.
ان تعاليم الفيدا تُعنى بأمور الحياة الدنيا وعِلل الطبيعة الثلاث، ارجونا، عليك ان تعلو على عِلَل الطبيعة وان تتحرّر من الثنائيات ومن مفهوم الحاجة والكَسْب لتصل الى مقام الاتّحاد في ذاتك.
البِئْرُ غَيِّضٌ اذا ما قيّست بفَيْض البُحيرة، كذلك تعاليم الفيدا للذي عرف الحقيقة المنزهة براهمَن.
قُمْ بواجباتك الدنيوية خير قيام ولكن لا تُعَلِّق آمالاً على ثمرات اعمالك ولا تمِل الى الظن انك انت فاعلها، ولكن لا تتجنب العمل لأجلِ ذلك.
قُم بواجباتك يا ارجونا خير قيام، بهدوء ورباطة جأش، غير عابِىء بثمار النجاح او خِزْيِ الفشل، وهذه الطمأنينة في اليوغا.
تمَسّك بالعُروة الوُثقى تبتعد عن الكارما المشؤومة، ما اتعسَ الذين يعلِّقون آمالهم على ثمرة افعالهم في الحياة الدنيا.
اما الذين توجّهت قلوبهم لربّهم فقد تحرّروا من ثمار اعمالهم، سواء لهم أسُمِّيَت ثوابا ام عقابا، مارِس هذه اليوغا، فهي عبادة الله.
ان الذين توجهت قلوبهم الى الله هم الحكماء العقلاء، زهدوا في الحياة الدنيا، لا يريدون فيها اجر ما يعملون، تحرّروا من الموت والولادة، فسَعِدَت قلولهم واطمأنّت. فسَلِّم امرك لنور العقل ليهديك خارج ادغال العَدم الكثيفة، حيث يتساوى لديك كل ما قيل وما سيُقال، فلا تبهرك كلمات الفيدا الحلوة على السمع، ولا تعاليمها، فاذا ما اتّبعت هدى نور العقل ادركت الحقيقة التي هي ذاتك.
ارجونا: كرشنا قُل لي، كيف يعيش هؤلاء الذين وصلوا نهاية المطاف وعرفوا ذاتهم؟
ماذا يقولون؟ بأية لغة يتكلمون؟ كيف يسيرون واين يستقرّون؟
كرشنا: يا ابن باراتا، ان الذين هجروا متاع الحيوات الدنيا، لم يتبعوا اهواءهم، صَحوا من سبات عقولهم، واتْبعوا هدى نور العقل، تعرفوا على ذاتهم فاطمأنت قلوبهم وباتوا في مقام رفيع.
الذين لا تُعَكّر صفاء نفوسهم الصعاب والملمّات مهما كبُرَت، فقد سعدت عقولهم واطمأنت قلوبهم، قلّت احتياجاتهم، كبحوا جماح الغيظ، اؤلئك هم العقلاء ذوو النفوس الزكية، هم الذين اينما حلّوا او رحلوا لا تتوجه قلوبهم الا الى نور العقل، 
فلا تلهيهم الحيوات الدنيا لا في سرّائها ولا في الضرّاء، فلا يمتدِحون هذه ولا يتشاءمون من تلك.
السلحفاة تسحب اطرافها داخل دَرَقَتِها، امام الخطر، العاقل يسحَب حواسه امام الشهوات الى عقله، مُعطِياً اياه زمام الامور.
انهم يُحَرِّمون على انفسهم المتع الحِسِّية التي هي طبيعة الجسم الترابي، لكن هذا الحِرمان لا يهمهم، فقد عرفوا مُتَع العقل المعنوية التي هي ارفع من تلك.
الشهوات يا ارجونا هائجة جامحة، تعصِف حتى بِطالبي المعرفة الراجحي العقل، فتُزَعزِع هدوءهم.
اما الذين يسلِّمون زمام حواسهم للعقل كلّياً وتتوجه قلوبهم اليَّ دائماً، فهؤلاء هم الذين يثبتون.
حين يتأمل الانسان الاشياء المادية ترتبط بها عواطفه، فتنشأ الرغبة، ومن نار الرغبة يثور الغضب،
من ثورة الغضب تختلِط الرؤى فيسيطر الوهم، من اختلاط الرؤى تتشوّش الذاكرة، من تشوُّش الذاكرة يتعطَّل العقل فينهار الانسان.
اما الذين تحرروا من ثورة شهواتهم، وحتى مِن تجَنُّب ثورة شهواتهم فهؤلاء هم الذين اتخذوا العقل رقيباً على انفسهم وعلى ارادتهم الحُرّة، هؤلاء هم الذين اعمَّهم الله تعالى برضاه وامدّهم برحمته. ومَن حظي بهذا الرضى فقد تهافَتَت لديه التعاسة والبؤس في الحياة الدنيا، وسار على الصراط المستقيم.
ان الذي لا يتبع هدى العقل لن يفوز بالحكمة ولا بالادراك الروحي الرفيع، وبدون ذلك لا راحة لنفسه ولا سلاماً، فمِن اين تأتي السعادة لامرئٍ لا تعرف نفسه السلام.
ولكن احذر، فكما يجرّ التيّار الزَوْرَق على الماء، كذلك الحواس تُضِلُّ صاحبها، اذا اطلق عِنانها واتّخذها دليلاً.
فيا ايها الفارس المُدّجّج، انّ الذي اخضعَ حواسه لسيادة عقله، حرر نفسه من سلطانها وثبت على الطريق السليم.
في الليل تخلد الكائنات الى النوم، ويبقى الذي هو سيّد نفسه ساهراً، وفي النهار تنهض الكائنات سعياً لمعاشِها، هذا ليل الباحث في اسرار نفسه.
ينساب ماء الجدول الى المحيط فلا يهتزّ المحيط، تمرّ الشهوات بنفس طالب المعرفة فلا يضطرب، هو الذي سينعم بالحرية وليس الذي اتّبع هواه.
لقد هجر متاع الحياة الدنيا، تارِكاً شهواتها وغرورها، هو الذي ينعم بالسلام الابدي. هذا طريق الهُدى، مَن سار عليه لا ضلال له بعد اليوم، ولو في نهاية حياته، فهو الآن من المؤمنين.
________________________________________

الدرس الثالث
كارما يوغا
ارجونا: لطالما ان الحكمة خير من العمل، لماذا تدْفَعَني الى خَوْض هذه الحرب، لقد حيَّرَت تعاليمك عقلي، ارجوك احسُم لي هذا الامر، ما هو خير اختيار لي؟
كرشنا: ارجونا، كما قلتُ لك سابقاً، هناك طريقان للخلاص، يوغا الفلسفة ويوغا العمل، فالحرية لا تأتي من الاقلاع عن العمل،
لا، وليس الهُدى من اللامبالاة.
الانسان في هذا العالم خاضع للحركة بحُكْم عِلل الطبيعة الثلاث، فلا يمكنه السبات ولا للحظة واحدة.
ان الذي يَحجُمُ حواسه الخمس بارادته لكن افكاره ما تزال تتأمل مواضيع الحواس هو مغفّل ومنافِق.
واما الذي يُسَلِّم حواسَّه لسيادة عقله، ويُقيم واجباته، تارِكاً هواه، فهو السائر في الطريق القويم.
قُم باعمالك خير قِيام، فهذا خير من الكسل، حتى جسمكَ لا يمكنه الاستمرار ما لم تحسّ به. 
قم باعمالك جاعِلاً هدى العقل غايتك الوحيدة والا فإذا تعدّدت غاياتك في هذا العالم ازددتَّ ارتباطاً به، فاعمل من اجل رضى العقل تتحرّر من الاهواء.
خلقَ الرب الخلق، وخلق الشّعار والقربان وقال لهم هذي نعمتي عليكم تؤتيكم ما ترغبون.
وتَقبَلُ الآلهة القرابين وتُنعِم على الخلق وتحل البركات على الجميع، وتُغدِق الآلهة عطاياها على الذين قُبِلَت قرابينهم، اما الذين ياكلون ولا يقدّمون شيئاً للآلهة فانهم كَمَن يسرقون.
ان الذين يأكلون بقايا القربان انما يأكلون هنيئاً بلا اثم، واما الذين يطبخون لشراهتهم فإنما يأكلون خطاياهُم.
الاحياء يأكلون الثمرات، الثمرات تنتجها الامطار، الامطار تستنزلها الصلوات والقرابين، الصلوات والقرابين وليدة الكارما، هي الفرائض التي نصّت عليها الفيدا، الفيدا كلمة الرب، هكذا يشعّ نور الرب في كل الصلوات الى ابد الآبدين.
ان الذي لا يُقيم الصلوات كما نصّت الفيدا، كاسراً تلك الحلقة، يعيش من اجل اشباع حاجاته الحسّية فقط، غارقاً في الاثم والعدم.
اما الذي عرف نفسه وجعلها عَوْذَه، فقد استقرّت ذلك القرار وشعّت بنورها ورُفِعَت عنها الفرائض.
فليس له في الحيوات الدنيا رغبة، وليس له من اِداء الشعائر غاية، لا ولا من تجنُّب اِدائها مُراد، ولا يحتاج لأي شيء من اي كائن.
فقُمْ بواجبك ولا تُعَلِّق آمالاً على ثمرات عملك فتسمو الى المقامات العُليا.
جاتاكا وملوكٌ آخرون حقّقوا كمال نفوسهم بإداء واجباتهم، انت ايضاً، كُن قدوة للناس.
يتّخذ الناس قائدهم مثلاً لهم، فيحتذون حَذْوَه وعمّا ينتهي ينتهون.
انظر اليَّ يا ابن باراتا، انا لا فرائض ولا احكام تقع عليّ، لا في أيّة من الدوائر الثلاث، وليس لي رغبة في اي شيء في هذا العالم ولا حاجة، الا انّي لا انكَفّ عن العمل، فإذا لم اَقُمْ بواجبي على خير وجه وبلا انقطاع، يا ابن باراتا، لِتبعني كلّ البشر.
اذا لم اقُم بواجبي فَسَدَت العوالِم، ازداد الحَرْثُ وغاب السلام عن الارض.
الجُهّال يعملون طمَعاً بثمار العمل، والعارفون يعملون ايضاً، لكنهم لا يربطون آمالهم بأعمالهم، انما يُقَدِّمون مَثَلاً طيباً للناس.
وهم اذاَ دَعَوْهُم لعمل الخير فيدعونهم هَوْناً. رِفقاً بعقولهم الضعيفة، فقد تَعَوَّدوا ان يطلبوا أجْر ما يعملون.
عندما يفعل الانسان فعلاً ما، يتوَهّم انه هو الفاعل، فقد شوّش الغرور ادراكه، فإن الفاعل هو قوانين الطبيعة وعِللها الثلاث. الذي عرف الحق ايها الفارس يعرف ان بعض الافعال تُمليها عِلَل الطبيعة، فيها ما يشفي ظمأ الحواس، فهو لا يتجاوز هذه الحدود، ولا يتعلّق بما يزول.
وأما الجاهل فقد بَهَرته الصُوَر، وانشغل بحاجاته الطبيعية، فأوْهَن عقله الكسل، واذا حاول العاقل تنبيهه اضطرب.
فهيّا يا ارجونا، سلِّم لي كلّياً كل اعمالك، بملءِ ارادتك، سلِّم وازهد بمكاسب الدنيا واملاكها، وانهض وقاتل من غير تلكُّوء.
ان الذين يتّخذون تعاليمي هدىً لهم ودينا فيقيمون ما تأمرهم به وينتهون عمّا تنهى، هم مؤمنون مخلصون صادقون، فقد تحرّروا حتى من الكارما.
وامّا الذين لا يتّبعونها حَسَداً وغروراً، فقد زاغت عقولهم وتغلّفت قلوبهم فَضَلّوا وباتوا في الجحيم.
البشر يخضعون للعلل الطبيعية، حتى العارفون منهم، كلٌّ يسلك مسلك طبيعته، فماذا يحقّق الكبْت؟
لذا وُضِعَت الشرائع تنظّم اعمال الانسان وتُحَرِّم ما تَحَرّم، ولكن اذا سلّمت للشريعة تسليماً اعمى اصبحت عَقَبة في طريق خلاصك.
ثمّ انه لخير للانسان ان يقوم بواجباته التي تُمليها طبيعته، ولو فاشلاً، من ان يحاول القِيام بواجبات الآخرين، ولو ناجحاً، فهذا مسلك خطير.
ارجونا: قُل لي ايها الحكيم، ما الذي يَدْفَع الانسان الى ارتكاب السيّئات، وكأنه مُرغَمٌ احياناً؟ 
كرشنا: انها الشهوة يا ارجونا، الشهوة تُوَلِّد الجموح والشهوة تولِّدها الاهواء،
انها عدوّ الانسان الجائر في هذا العالم ومصدر خطاياه.
النار يغطّيها الدخان، المرآة تحجُبُها الغُبار، الجنين يغلّفه الرحم، ونور الحياة تحجُبُه الشهوة.
الشهوة تحجُب نور العقل، وتلتهِم صاحبها، انها نار متأجّجة وعدو لا يهدأ، الحواس والفكر والذكاء مَراتِع للشهوة وأدوات تشويش بصيرة الانسان وتضليله.
لذلك يا ارجونا، اكبَح جماح الشهوة أُم الخطايا، وَضَعْ حواسك تحت سلطان العقل لِكَي لا تكون عرضةً للتهلكة.
الحواس أرفع من المادة، الذكاء أرفع من الحواس، البصيرة ارفع من الذكاء، والنفس أرفع حتى من البصيرة.
الذي عَرَف نفسه يا ارجونا وعرف انها اسمى من الحواس والذكاء والبصيرة، اتَّخَذَ العقل رقيباً وهادِياً له، وانتَصَر على شهواته وهواه.
________________________________________

الدرس الرابع
العقل
كرشنا: لقد علّمت هذا العلم الروحاني في القديم لالاه الشمس فيسفيان، وفسفيان علّمه لآدم ابو البشر، وآدم علّمه لأكسفاكو مَلِكُ الارض، وهكذا توارثَ هذه اليوغا سِلسِلة من الملوك الاتقياء، وكانوا يفقهونها، ولكن يبدو انها تبعثرت على مرور الزمن، لذلك ها انا الآن اقدّمها اليك لانك تلميذي وصديقي، وانك قادر على فهم غوامضها.
ارجونا: كيف ذلك؟ وفيسفيان سابق لك في هذه الحياة، كيف يمكن ان تُعَلِّم مَن وُلِدَ وعاش قبلَك؟ 
كرشنا: قبلَ هذه الولادة وُلِدَت مرّات عديدة يا ارجونا، وكذلك انت، انا اتذكَّر كل حيواتي ولا تتذكّر حيواتك انت. 
الا انّني لَم اولَد وصورتي الاولى لا تُمحَق،
انا العقل الكُلّي وسَيّد الكون والكائنات، اتجلّى بقدرتي في الاجسام الطينيّة، 
فكلّما كان اختلافٌ في الدين، واينما كان، وعمَّ الكُفر، تجلّيتَ في جسم، لأخَلِّص المؤمنين، واُنهي المشركين، وادعو الى الصراط المستقيم، ألفِيّة بعد ألفيّة.
فمَن عرفني في حقيقتي في ولادتي وحياتي لن يولَد بعد الآن، بل يرجِعُ اليّ يا ارجونا.
لقد تخلّص من الشهوات والخوف والغضب وجعلني عوذَه وملاذَه، وصَفَتْ نفسُه بمعرفتي وسمت بحُبّي. 
الخلق كلّهم مستسلمون لي يا ابن باراتا، وانا اجازيهم بما يستحقّون، فهم يسيرون على طُرُقٍ، على تشعّبها، هي طُرُقٌ لي.
الذين يطمعون بالحيوات الدنيا يقيمون الشعائر ويُقَدّمون الاضاحي لآلهتهم، فتعطي اعمالهم ثمارها سريعاً في هذا العالم.
انا خالق طبقات الناس الاربع وعِلَل الطبيعة الثلاث، وما تُمْليه على الخلق من افعال ولكن اعلم انّي لستُ فاعل ما افعل، فأنا مُنَزّه عن التحوّل.
انا لا احتاج لما اعمل، وليس لي آمال ومطامِع، فالذي يُدرِك طبيعتي هذه لا يقع في شِرك ثمرات العمل.
لقد عَلِمَ السابقون هذا العِلم فعاشوا وعملوا بهذا اليقين وبهذه الروح، فكانوا احراراً، فاجْعَلهُم قدوةً لك واتبع خُطاهم واعمل ما عليك عملُه.
ما هو العمل وما هو الركود؟ لقد حيَّر هذا السؤال عقول الكثير من الاذكياء من الناس ولكن اسمع، فسأُعلِّمُك، وإن اتّبعْتَ تعليمي تحرّرت من حلقة البؤس والتعاسة والشروعَ في الفعل امرٌ في غاية التعقيد. يجب ان تفهم ما الفعل وما حُرِّم من الفعل وما الاقلاع عن الفعل. 
ان الذي يستطيع ان يرى السكون الذي في الحركة، والحركة التي في السكون، فمهما كان انهماكه في اعماله، هو مِن ذَوي البصيرة العارفين.
ان الذي تَزَكّى من كلّ الافعال التي تُثْمرُ ثمراً يشفي ظمأ الحواس فقد احرَقَت نار عِرفانه كارماه، لقد عرف هذا العارفون. فقد تخلّى عن اجرِه، زاهداً في الدنيا، فرَضِيَت بهذا نفسه، ولا يكلّ في جهادِه، وهو مِن الصابرين.
لقد توجّه الى العقل فاغناه عن ثمار افعاله، لا يقع اسيراً لممتلكاته، يحافظ على طهارة نفسه وجسمه، فلا تُرَتِّب افعاله آثاماً.
يأتيه رزقُه من حيث لا يعلم، تساوَت عنده الثُنائيات، خَلا من الغرور، ثابتُ الخُلُقِ في النجاح والفشل، راضٍ، ولا يمتنع عن العمل، ولكن اعماله لا تستجِدُّ عواقباً، تخلّص من التُرابيّة، فَعَلا ادراكه الى دائرة العقل الشاهِقة، وما رَمَى اذا رَمَى ودخل مع الداخلين.
براهْمَن القُدّاس والكهّان، براهْمَن النارُ والقِربان، تبارك الذي رأته عينُه في كلِّ شيء.
انّ الذين تعَدَّدَت آلهتهم يُقَدِّمون اضاخي لتلك الالهة تقرُّباً، واما الذين عرفوا الحقيقة فإنما يُقَدِّمون لنار براهْمَن الازلية.
بعض يُقَدِّم السمع والحواس لنار السيطرة على النفس، بعض يُقَدِّم الصوت ومُثيرات الحواس لنار الحواس الخمس،
اما الذين هاموا لدى ذواتهم سائرين على طريق اليوغا، فإنما يُقَدِّمون الحواس والحيوية التي في التنَفُّس لنار العقل.
والذين اقاموا على انفسهم عهداً، بعضهم يُضحّون ممتلكاتهم، وبعض يتصوّفون، وبعض يمارسون اليوغا ذات العتبات الثماني، وبعض يقرؤون الفيدا، وبعضهم يتحكّمون بالتَنَفُّس ليتوازن الشهيق والزفير، فيهدأ التنفُّس ويتهَجَّدون، وبعض لا يأكلون الا قليلاً فيُضَحّون الطاقة التي في تَنَفُّسهم.
فكلّ هؤلاء، واختلفت طُرُقهم، قد فهموا التضحية والجِهاد، يتزكّون ويشربون رحيق زهرات اعمالهم، لقد دنو من دائرة العقل الابدية.
يا خيرة آل كورو، لا دنيا للذين لا يسعَون فهل مِن آخرة؟
كل اشكال الجهاد والزكاة نصّت عليها الفيدا وتناقَلَت بالتعليم، وهي وليدة الفعل وعواقِبه، فاعرِف تتحرّر.
ان الشعار القائم على المعرفة خير من مَحْض الشعار والقربان المادي، فمُنذُ البِدء، العمل بكُلِّيتِه يتوخّى المعرفة.
فاطلب العِلمَ من الحُكَماء والمعلّمين الروحيّين، واخضع لهم، وقُم بِما يأمرون وامتنِع عمّا ينهَون، فإن الذين عرفوا الحقيقة هم خير مُرشِدٍ الى طريقها.
الذي عرف الحقيقة يا ابن ياندو، لا يغُرّه الوهم، يرى انّ كل الكائنات هم ابناء النفس الواحدة، هم ابنائي،
فمهما بلغت آثامك، فإن سفينة العِرفان تجري في موجٍ كالجبال، فلا تُضِلّها لُجَجُها ولا تُهيبُها عبابُها، حتى استقرّت على الجوديّ،
وكما تَلهِمُ النار الحطب فلا تذِر الا رماداً تحرق ناره اعباء الكارما فتُبَدِّدها تبديداً.
لا خير للانسان في الحيوات الدنيا ولا اقدس له من العِرفان، فإنّ الذي سار على طريق اليوغا مُخلِصاً صادقاً تسامى، وسوف يأكل ثمرات سعيه حالما تَيْنَع.
ان الذي لم يبق من مُرادٍ في نفسه الا نور العقل، اخضَعَ حواسّه لسُلطانِه، سائراً على طريق المعرفة مُخلِصاً صادقاً، سوف ينعم بالطمانينة والسلام.
واما الذين كفروا بما جاءَهم، شوّش الشك عقولهم، وقعوا في شِرْك المادة، فلا نعيم لهم، لا في الدنيا ولا في العُليا.
انّ الذين ساروا على طريق اليوغا لا يريدون اجراً في الحيوات الدنيا،
بدّد اليقين رَيْبَ نفوسهم، لجؤوا الي ذواتِهم، لا تُقَيِّدَهم افعالهم بكارماهُم، يا قاهِر الأعداء بدِّد حيرة الرَيْب وجهل النفس بالمعرفة واليقين، تسلّح باليوغا وانهض وقاتِل.
________________________________________

الدرس الخامس
الزكاة
ارجونا: كرشنا، انك تارةً تطلُب منّي ان أتبرّأ من العمل وطوراً ان اتزكّى في العمل، هل لك ان تحسِم لي الامر، قُل لي ايّ الاثنين الأفضل؟
كرشنا: ان التبرّؤ مِن العمل والعمل زكاةً، الاثنين يؤدّيان الى الحرّية، ولكن اذا قورِنَت الزكاة بالتبرّؤ من العمل لكانت خيراً.
فاعلمْ، انّ الذي لا يشُنُّ من العمل ولا يرغب به ايضاً، قد تحرّر من النسبيات والثُنائيّات ومن التعلُّق بما يزول، وهو الآن حرّ ايها الفارس.
يظن ّ الجُهلاء انّ الزكاة، كارما يوغا، تختلف عن الفلسفة، لكن العارِفين يعلمون حقّ العِلم، انّ الطريقين يؤدّيان الى الحقيقة اذا اتُّبِعا بصدق واخلاص.
انّ الذي يرى انّ الفلسفة والزكاة يسيران جنباً الى جنب ويؤدّيان الى الدائرة عينها فإنه يرى الاشياء على حقيقتها.
فيا ايها الفارس، انّ الذي تهُمُّه حياته، ولكنه لا يعمل خيراً ولا يقدّم عمله للرب، فإنه سيُصاب بالحزن واليأس،
وأما الذي يجاهد بالعمل والفكر فسوف يصل الى براهْمَن.
ان الذي يُقَدّم كلّ ما يفعله للرب، صافي النفس، جاعلاً عقله سيّد حواسّه، يحبّ كلّ الخَلْق والخَلْق كلّهم يحبّونه، هو حرّ رغم انهِماكِه في عمله.
ان الذي وصل الى الحقيقة يقول انا لا افعل شيئاً، فهو لا ينظر اذا نظر، لا يسمع اذا سمع، لا يلمِس اذا لَمَس، لا يشمّ اذا شمّ، لا يأكل اذا أكل، لا يروح اذا راح، لا يحلم اذا حَلِمَ، لا يتنفّس اذا تَنَفّس، لا يتكلّم اذا تكلّم، لا يرفض اذا رفض، لا يقبل اذا قبِل، لا يفتح اذا فَتَح، لا يغلق اذا اغلق، انما هي الحواسّ تلتهم المحسوسات.
فكما تطفو زهرة اللوتس على الماء فلا تَبْتَلّ، كذلك الذي يعمل زاهداً باجر عمله ومُسَلِّماً نفسه لبراهْمَن، لا يترتَّب عليه إثم.
بجسمه، بفكره، بعقله، حتى بحواسّه يُجاهِد اليوغي ويعمل هاجِراً أهواءه، وجاعلاً الزكاة غايته.
لقد قدّم كلّ ما يعمله للرب ولم يطلب اجراً، فهو الذي ينعم بالسلام، وأمّا الذي اتّبع هواه طامعاً بثمار عمله فقد اثقلته سلاسِل نفسه.
عندما يُخضِع الانسان نفسه للعقل مُتَبَرِّءاً بإرادته من الفعل، يسكن هنيئاً في المدينة ذات البوّابات التسع، وكأنه لا يفعل وليس مصدراً لأي فعل، فلا يملك افعاله ولا يحَرِّض غيره من الناس على الفِعل، ولا يرتبط بكارما افعاله، فهو سيّد مدينة الجسم، التي فيها تُظهِر الطبيعة قوانينها وعِلَلِها.
الربّ لا يقبل خطايا الناس، لا ولا يعوزه تُقاهُم، انما هو جهلهُم الذي أعمى قلوبهم عن رؤية الحقيقة.
عندما يشعُّ نور الحقيقة في نفس الانسان تتبدّد ظُلُمات جهله، فيرى الاشياء على حقيقتها، انها الشمس قد اشرقت في ذاته في بهائها وروعتها.
في الرب فكره، في الرب عقله وقلبه، في الرب ايمانه وامانه، الرب عَوذَه ومَلاذه، هو اليوم حُر وسقطت عنه ذنوبه.
انّ الذي سما إدراكه رقّ قلبه، ينظر الى الفيلسوف، الى البقرة، الى الفيل، ينظر الى الكلب، حتى الى آكِل الكلب، بعَيْن واحدة. انّهم الذين تساوى عندهم البعض والكلّ، فنزلت على قلوبهم السكينة، وتجلّت بهم صِفات اسماء مولاهُم، فتحرّروا من الموت والولادة، لقد رجِعوا راضين مَرضيّين، تعالى الله ربّ العالمَيْن.
انّ الذي لا يبتهج في السرّاء، ولا يتفجّع في الضرّاء، قد جعل العقل سيّده، فلّن يتيه بعد اليوم، لقد عرف طريق براهْمَن، براهْمَن ملجؤه الاخير،
لا يريد متاع الحياة الدنيا، فقد عرف متعة معرفة ذاته، لم يبقّ في نفسه مُراد الّا براهْمَن، وهو في نعيم مُقيم.
انّ العاقل يا ابن كونتي لا يريد نِعَمَ الحيوات الدنيا، فهي تبدأ وتنتهي، فتجلب اليأس والألم،
فقبل ان يغادرَ جسمه، اذا استطاع الانسان ان يتحكّم بالشهوات وبنزوات الغضب والرغبات، فقد ذاق طعم السعادة الابدية.
انه يبحث عن السعادة في نفسه، ويبتهج في نفسه، ويوصل ما أُمِرَ ان يوصَل، هذا هو اليوغي الذي سوف يسمو الى الدوائر العُليا ويرجع الى براهْمَن في نهاية المطاف. لقد ترفّع عن المُتَضادات والنسبيّات، انشغل بنفسه، لا يأثم، عاملاً لخير كلّ الخَلق، ولسوف ينعم بالحرية في النرفانا في براهْمَن.
لقد تزَكّى من الشهوات والغضب ساعياً لكمال خُلُقِه، فلا يتبع الا هُدى العقل، ولسوف يعرف ذاته وينعم برُضوان براهْمَن ، يعزِلُ مثيرات الحواس، كالصوت خارجَ نفسه مُغلَق العينين، مُرَكّزاً نَظَره بين حاجبَيه يهدّىء نفسه الى ان يستقرّ في انفه، وقد طرح الرغبات والخوف والغضب جانباً، هو الآن على طريق الحرّية الروحيّة.
انا ربّ الشموس المنعِمُ على الخلق، لي تُقَدَّم الاضاحي وفي سبيلي يزهد الزاهدون، الذي عرفني في حقيقتي تخلّص من آلام الحياة.
________________________________________

الدرس السادس
الهِجْرة
كرشنا: اليوغي هو المهاجر، هو الذي يعمل ما يُملي عليه واجبه ولا يريد اجراً، وليس هو الذي يمتنع عن العمل واشعال النار. فاعلم يا ابن ياندو ان الهجرة هي اليوغا عينها، تتوخّى سمو الروح الى دوائر الادراك العُليا، فوق مُتَع الحياة الدنيا.
انّ العمل هو خير السبيل للمبتدئين في يوغا الهجرة، يوغا العتبات الثماني، اما المتقدّمون فإن الامتناع عن العمل هو خير لهم.
ان الانسان هو المسؤول عن خلاص نفسه فإن سار بهُدى العقل لن تهوي نفسه في دركات دنيّة، فكما يمكن للنفس ان تكون حليفة له، كذلك يمكنها ان تكون عدوّا. 
ان الذي انتصر على نفسه هي الآن صديقه، والا فهي عدوّه اللدود.
لقد وصل الوصيد الذي انتصر على نفسه،
فهدَأَتْ نفسه واطمأنت، على الذُرى وفي الوهد، في الحرّ وفي البرد، في العار وفي المجد،
بالتذكُّر تعرِف النفس ذاتها، وقد تغلّبَت على الترابية وسَمَت، فلا فرق الآن بين الحجارة والذهب.
وعلا مقاماً ايضاً الذي يرى بعين واحدة، الوحود واللحود، والمحايِد والوسيط، المُحسِن والحَسود، والصديق والعدوّ، والطيّب والخبيث.
انّ المهاجر يعيش منفرداً منعَزِلاً، لا يمتلك شيئاً، ولا يسعى لامتلاك شيءٍ، فيُجاهِد بنفسه وجسمه في سبيل الرب، على صراطه المستقيم،
في عزلته، في مكان طاهر، معتدل الارتفاع، يفرش عليه عشب كوشا المقدّس، فوقه جلد غزال وبساط ناعم، فيجلِس متحكّماً بحواسه وفكره وحركته ، مركّزاً على نقطة واحدة، فتهدأ نفسه.
يجلس في وضع مستقيم منتصبَ الظهر والرقبة والرأس، مركّزاً نظره على انفه، ففي هدوء نفسه وفكره خلا من الخوف والتزم بِقَسَم التبتُّل، متوجهّاً اليَّ بقلبه وعقلِه ونفسه، فأنا غايته.
هو الآن سيّد نفسه، فيسعَد عقله ويدخل في سلام الوجود، وقد ذَبَل جسمه وهدأت فيه الطبيعة، فيرقى الى النرفانا في السماء العُليا.
اليوغي يا ارجونا يعتدل في طعامه ونومه، فلا يُكثِر ولا يُقِل من الطعام او ساعات النوم، فالنظام في الطعام والنوم والعمل الواجب للبقاء والراحة اساسيّ في ممارسة اليوغا ويخفّف آلام الجسم.
المهاجر اليوغي ينظّم نشاطه العقلي، فيرتقي الى دائرة النفس الكلّية، فلم يبقَ في نفسه مَيْل الى الدنيا، وهو الآن متمرِّس في اليوغا.
المصباح لا يُذَبذِب في مكان لا ريح فيه، واليوغي الذي حَزَم نفسه ثابت التهجُّد، ولكن وبعد صبرٍ وثبات، طوبى له فقد انْتَشَتْ نفسه اذ شاهَدَت ذاتها لقد بَدَت، فالحب يحدوه اللقاء، فوق آفاق السماء، هذه الحقيقة في بهاء.
طوبى له فلقد جلا له الاحسان والجمال، لا خلقُ ذا ولا خيال،
تساوى اليوم في الحِطَم، امام ذا الوحي العظيم الجهل بالعلم الأعمِّ، والذلُّ بالمجد الهشيم.
يلجأ الطالب الى يوغا الذات بتصميم ومن غير تردّد، بارادته واختياره، هاجراً متاعَ الحيوات الدنيا وكلّ المتاهات الفكرية وليدة عالم الحواس، مهلاً وخطوة خطوة، وبالايمان وباليقين تقودُه بصيرته الى ذاته، غايته الوحيدة.
وكلما رفَّ فِكرُه بطبعِهِ المتحيّر حَزَمه بسلطة العقل،
لقد توجّه بعقله وقلبِه الى الرب، حتى هدأت نفسه واستقرّت على قَدَمَيْه اللوتس، لقد هجر الهُدى وعرف ذاته متحرّراً من ذنوبه. فهنيئاً للجسم الطاهر بهذا النزيل، ليس له الا براهْمَن من دليل، ولا في ممالك الدنيا لتلك السعادة من بديل،
لا يرى الا نفسه كيفما نظر، في نفسه وكلّ البشر، في الخلق وكلّ الصور،
في كل شيء رآني، وَسَعَتْ نفسي كوني، فأينما توجّه انا المُستَقَر، يقدّم لي كلّ ما يعمل، وفي كلّ مُنقَلَب، أَحَبَّ قلبه كل القلوب، لا همّ، فأنا تلك الوحدة وحُبّ القلوب دربي.
ومن حُبِّه لنفسه احبّ النفوس، ففي نفسه رآها، في افراحها وفي البؤس، هذا هو العابد يا ارجونا.
ارجونا: طريق اليوغا هذه، يا مُنْهِكَ الشر، شاقٌّ وطويل، فَفِكْر الانسان حائر بطبعه ولا يهدأ، ثائر ولا ينقاد، قوي وصعب المراس، انه لأهوَن على الانسان ان يُهَدِّىء الريح من ان يحكم فِكرَه. 
كرشنا: ان الفكر هائج ثائر لا شك، لكن حَزْمَه ممكن بالتدريب وهجر الهوى. انّ الذي يطلِقُ العنان لنفسه لن يعرف ذاته، هذا رأيي،
اما الذي اتّبع هدى العقل فبالمُثابرة والصبر سوف ينتصر بالتأكيد.
ارجونا: كرشنا، ما مصير اليوغي الذي آمَنَ مُخلِصاً وسار على طريق خلاص نفسه، ولكن جرفه تيّار الحياة، فلم يحقّق غايته، قل لي ايها المُدجّج العظيم، ما مصيره؟ لقد حاز عن الطريق، فهل مصيره الهلاك، كغَيْمَة في مَهَب الريح؟ لقد حِرْتُ في هذا الامر، وليس غيرك قادراً على جلاء حيرَتي.
كرشنا: يا ابن باراتا، انّ الذي شَغَل نفسه بعمل الخير لن يصيبه الهلاك ولَنْ يُضِلّه الشر، لا في هذه الحياة ولا في حيواته المُقبِلة، 
فإن الذي لم يصل الى نهاية الطريق سوف يولد في كواكب يسكنها مؤمنون عُقَلاء، او يولَد لأبوين صالِحَيْن او ثَرِيَيْن، او يولَد لأبوَيْن عاقِلَيْن سائِرَيْن على طريق اليوغا، الاّ انّ هذا نادر،
فيتابع طريقه الذي كان قد بدأه، فيرقى ادراكُه، من حيث كان، ويحاول وصول الكمال مجدّداً يا ابن كورو، انّ الذي طرق باب الحكمة في حياة مَضَت، سوف تجذِبُه الحكمة الى اعتابها المقدّسة، فتُثير في نفسه حبّ المسالك العِرفانيّة، ويترَفّع عن الشعائر الشريعيّة.
وبعد حيواتٍ، وحيواتٍ عديدات، على طريق الخلاص، مُخلِصاً ، ثابتاً، كلّ الثبات، سقطت ذنوبه، بلغ الكمال، وصل الدار وفيها مُقيم.
هذا اليوغي اعلى مرتبةً من المتصوّف، اعلى مرتبةً من العارف، اعلى مرتبة من المُجاهِد،
فيا ارجونا سِرْ على طريق العبادة كيفما كان الحال، 
فمهما كانت طريقهم، ابنائي المخلصون، الذين توجّهت قلوبهم اليّ، في قلبي يتفكّرون في قلوبهم، مؤمنون، يؤدّون صلواتهم، فبالحب هم المُقَرَّبون.
________________________________________
توضيح الدرسين الخامس والسادس
لقد استعملنا كلمة "تهجُّد" من مادة "هجد" للكلام عن ما يُسمّي الغربيّون اليوم، ومَن حَذا حذوَهم، التأمّل التجاوزي Transcendental Meditation. ان كلمة تهجّد وردت في القرآن العظيم وفي الكتب المقدّسة للأديان السماوية والحكمة الشريفة والفلسفة اليونانية للدلالة عن تلك الحال التي يصل اليها المُصَلّي حين يقترب من الحقيقة، والذي لم يُحَرّم زينة الرب في المساجد، والذي ذبح بقرةً صفراء متعة للناظرين، والذي استرق السمع، لمقام الموسيقى الأصيل، فأتبعه شِهاب ثاقب.
اما ما يصفه الغربيّون بالتأمّل التجاوزي فلا يمت بصِلة، لا من قريب ولا من بعيد، للتهجّد. اما ما يصفه الهنود والبوذيّون اليوم بالتأمُّل، وما يعَلِّمون من تقنيّة (Technique) لبلوغ التجاوز، فهو لا يمتّ بِصِلة، لا من قريب ولا من بعيد، للصلاة التي تُعلّمها الغيتا والتي علّمتها كلّ الكتب (المقدسة).
لقد كَثُرَت المدارس التي تُعلِّم شتّى طُرُق التأمّل، التي بكلّيتها من قَبيل الاسترخاء العقلي والجسمي والتنويم المغناطيسي الذاتي، وكلّها جيّدة ومفيدة للصحّة الجسمية والعقلية، وهي قد تكون خطوة على طريق البراهْمَن، ولكن ماذا تُبَرهِن النفس الناظرة بغير الحواس الطبيعيّة؟ انها تُبَرهِن نفسها.
فكما سوف يأتي في دروسٍ لاحقة، انّ الانسان مكوّن، اذا صحّ التعبير، من معتقدِه. فما معتقدِه ما هو، ولقد بات مفهوم التهجُّد والصلاة منْسيّاً في عصر الظلام، العصر الذي اخذت فيه الشعائر والطقوس اسمَ الصلاة، وانه لم يؤذن لنا ان نكتب هذه الاسطُر الا رحمة من مولانا (جلّ ذكره)، غافِر الذنب، قابِل التَوْب، رحمة بالمؤمنين الذين شردوا شروداً بعيداً في عصر الظلام، ولكن لم ينطفئ نور الحق في قلوبهم، عساهم ان يتذكرّوا ويعودوا الى عائلتهم، عائلة المؤمنين، قبل فوات الأوان، فهل هناك وصفٌ للألوان لو سَمِعَه مُصاب بعمى الالوان رأى الالوان؟
فسُبحان الذي كُشِفَت به اسرارُه، واضاءت بها ظُلُماته بمشاكي المصابيح، فدلّ عليه الطالبين، وهدى اليه المهتدين، رحمةً منه وحبّاً، تبارك الله ربّ العالمَيْن.
________________________________________
الدرس السابع
الوجود
كرِشنا: اسمع يا ارجونا، توجّه اليّ بعقلك وقلبك، بَدِّد الشك، وسوف اُعَلِّمك، اسعَ اليّ تعرف حقيقتي، في بدائعي وفي الوهيّتي ولَئِن عرفت لن يبقى شيء في هذا العالم يستحق ان يُعرَف.
بين آلاف البشر واحد يسعى للكمال، بين هؤلاء قليل يُحَقِّقه، وبين هؤلاء هيهات يعرف واحد حقيقتي.
الارض والماء والنار والهواء والاثير والعقل والفِكر والنفس الجسميّة، هذه هي الاركان الثمانية للطبيعة، تعلو هذه طبيعة اخرى، فحاول ان تفهم، طبيعة روحيّة عُلويّة، هي امّ الخلق والكائنات الحيّة من عطاء الكون.
الخلق بكلّيته اصله في هاتين الطبيعتين، فاعلم، ان هذين العالمَين وما يحويان يبتدئان لديّ وينتهيان.
لا شيء في هذا الوجود يفوقني ايها الرجل الكريم، 
الوجود اتَّسَق بين يديّ كحبّات اللؤلؤ شُكَّت على الخيط.
انا الطّعم للماء يا ابن كونتي، انا النور للشمس والقمر، انا الألِف والواو والميم، كما جاءَت في الفيدا، انا الصوت للأثير والقُدرة للإنسان القدير.
للأرض انا العبير، وانا الدفْء للنار، انا الحياة للأحياء، انا خُلوَة المُتَنَسِّكين.
انا حَبّة كُن، حاول ان تفهم يا ابن باراتا، الأصلُ الأزليّ.
انا العقل تَبِعَه العاقل، بسالة الرجل الباسل، انا القُوّة للقوي، تنزّهتُ عن الرغبة والهوى، وللحياة انا التكاثُر، كما احلَّه الدين ايها الأمير.
واعلم، ان عِلَل الطبيعة الثلاث التناغم والحركة والسكون، انا ناشِرُها، فهي مني، ولكنّي لا اخضع لها،
الانسان بَهَرته الطبيعة، فبات لا يراني، انا الذي تعالَيت عليها وتبارَكت،
تلك الطبيعة فاضت عِلَلاً ثلاثاً، يصعُب تجاوُزها، الا الذين سَلّموا لي فَعَلوا على ذلك الوهم.
اما اولئك الاشرار الاغبياء، سَرَق الوهم عقولهم، دَنَوا مرتبةً في الخلق، واتّبعوا شياطينهم فهم لا يُسَلِّمون.
اربعة اتقياء يقدّمون لي يا ارجونا توَسُّلاً، ذو البلاء، وذو الطموح وذو الفضول وذو العقل.
بين هؤلاء العاقل الذي لا يريد اجراً علا مرتبةً فأنا احبّه وهو يحبّني، لكنَهم ذوو نفوسٍ كبيرة جميعاً، واما العاقل الذي عَرَفني وجعل حياته حياتي، الهمسُ في قلبه في قلبي، طوبى له نِعمَ الجِنان ونَزْلٍ له الآن دان.
فبعد حيواتٍ عديداتٍ، ومعارِج متكرّرة، عَرَفَت نفسه ذاتها، سَلّم لي تسليماً، راجعاً الى الرب، نَدَرَت الروح العظام. 
اما الذين تعدّدت غاياتهم، ليسوا أهل معرفةٍ، يعبدون آلهة لهم، وفق طبائعهم واهوائهم، تُملي عليهم ما يعبدون.
انما ايّما كان العابد وايّما كان المعبود، انا المستجيب، وانا عاقِد ما يعتقدون.
توحي اليهم آلهتهم شتّى المُغرَيات، فيقيمون الشعائر توسُّلاً، انّما مآل الامور اليّ، فأنا مدبّرها وانا واهِب ما يطلبون.
بَخَسَ المطلوب ثمناً، وقلَّ زَمناً، لقد وَهَنت عقولهم وآبوا الى ما يعبدون.
واما المؤمنون الصادقون، فقد هاموا لديَّ.
يظنّ ضعفاء العقول انّ ذاتي تحقّقت فيَّ، انهم لا يعرفون انّ وجودي سامٍ ومنزّه لا يفنى،
لا ولا اتجلّى انا للجميع، حُجِبَت حقيقتي عن الذين لا يفهمون، فأنا لا أولَد ولا انتهي.
انا اعرف يا ارجونا ما كان وما هو كائن وما سوف يكون وكلّ الكائنات، ولكن لا يعرفني احد.
يا ابن باراتا، كلّ الاحياء منذ ولادتهم خاضعون للوهم، الرغبة والنفور ينشآن من الثنائيات وليدة هذا الوهم.
انّ العباد الصالحين في هذا العالم غُفِرَت ذنوبهم وامّحَتْ كارماهم، فقد تحرّروا من النسبية واواهمها.
لقد بَذَلوا حياتهم لمعرفتي، يلجؤون اليّ ليتخلّصوا من الهَرَم والموت، لقد عرفوا براهْمَن والحياة العُليا معرفةً يقيناً.
انا قانون الكون وآلهته تُسيِّره، انا عبادتها وأجرها اتدبَّره، فمَن عرفني ولو ساعة الموت، سارَت نفسه على طريقي المستقيم.
________________________________________
الدرس الثامن
براهْمَن
ارجونا: ما براهْمَن؟ ما النفس، ما الكارما؟ ايتها البشري الفائق، ما التجسُّم، ما الآلهة هل لك ان تقول لي؟
ما الروح القُدُس؟ كيف يعيش في الجسم، يا قاتل الشرّ؟
كيف يراك ساعة الموت الذين جعلوا حياتهم حياتك؟
كرشنا: الوجود المَحْض المنزّه هو براهمَن ، جلّ وعلا، كونه الازلي هو النفس أتمان، واما الكارما فهي الفعل وما يستجدّه من تقلّبٍ في الاجسام.
يا خيرة الناس، الطبيعة التي هي في حال تحوّلٍ دائم هي الوجود الكثيف، اديبوتا. اما الوجود الذي فاض عن المحض فهو الشمس والقمر، العقل والنفس، وكلّ الآلهة، هو اديدافاتا. 
انا الروح القُدُس في هذا الجسم، الذي يتذكرني ساعة الموت مغادراً جسمه يعرف حقيقتي، كُن على يقين.
ايّما طبيعة تذكّر الانسان في ساعاته الأخيرة يا ابن كونتي، يعود اليها في حياته الجديدة دوماً.
لذلك يا ارجونا، تذكرْني في قلبك بلا انقطاع، سلّم نفسك وفكرك لي، ثمَّ قاتِل، ولسوف ترجع اليّ، كُنْ على يقين. 
بالصلاة، بحزم النفس، بالعقل، بالاخلاص، بالثبات، بالتأمّل دوماً، يصل الانسان الي براهْمَن، يا ابن باراتا.
العليمُ القديم الحاكم، اصغر من النقطة، قيّوم، عِلْمُه بكلّ شيء محيط، مالِك الوجود، حفيظُه، لا تصِفْه صورة ولا مِثال، كنور الشمس اثمَّ والام؟ تنزّه وتسامى.
ساعة الموت، يركّز اليوغي طاقته العقليّة ولا يتحيّر، وبقوة اليوغا الروحيّة يركّز طاقته الحيويّة بين حاجبيه، فيتجاوز ويصل الى عالم العقل العُلوي.
العقلاء الذين يلتزمون بتعاليم الفيدا يُرَنّمون سُبحة "أومْ"، فيدخلون دوائر ادراك عالية. الذين يسلكون هذا الطريق يعيشون حياةً بُتوليّةً، سأشرح لك باختصار.
يُغلِق العابد ابواب الحواس، مُركّزاً وعيه في رأسه، مثبّتاً نفسه في رأسه، حاصِراً نفسه في رأسه. جالساً في وضع اليوغا. يُسبّح "أوم"، صوت العقل، في رأسه، يتذكّرني، فإذا نجح وغادر جسمه فسوف يحلّق الى دائرة عُليا، يتوجّه اليّ دائماً، طريقي سهل للذي عرفني وجعل نفسه وحياته نفسي وحياتي.
وصل اليّ الروح العظيم ولن يعود الى عالم الولادة والشقاء والفناء، وصل ما اُمِرَ ان يوصِل، وصل الكمال.
الكواكب في الانظمة الشمسية كلها، من اعلاها كـ كوكب براهمالوكا، الى ادناها، اماكن عروج يا ابن كونتي، اما الذي وصل اليّ فلا عروج له بعد اليوم.
نهار براهْمَن الف دهر ممّا يحسب البشر، كذلك ليله للذين يفهمون. 
في بدء النهار يظهر الخلقُ من الغيب، وعند حلول الليل يرجع الخلق الى الغيب.
بعد ولادات متكرّرات ينتهي الخلق بكلّيته، وحين يأتي النهار يُنشأ الخلق من جديد، يا ابن باراتا.
اما ذلك الغيب، فليس من هذه الطبيعة، فلا يخضع للظهور والهلاك، ازلي مَصون عن التحوّل، انه الخير الكامل، مَن وصل اليه فلا اياب له، هذا مقامي الأعلى.
يا ابن باراتا، الرب العلي العظيم، يرجع اليه المحِبّون الصادقون، يشعّ في كلّ ما نرى، وهو بكلّ شيء محيط.
سأعلّمك أي يوغي يعود واي يوغي لا يعود.
في ضياء النار في النهار، في الاسبوعَيْن حتى يَتِمّ البدر، في الاشهر الستّة لجَوْلة الشمس الى الشمال، اذا مات الذين آمنوا يتوفّاهم الرب واليه يرجعون.
في حَلَكِ الليل في الدُخان، في الاسبوعَيْن بعد تمام البدر، في الأشهر الستة لجولة الشمس الى الجنوب، اذا مات الذين آمنوا يرتفعون الى القمر، ولكنهم سوف يعودون.
تقول الفيدا انّ هناك طريقّيْن للخروج من هذا العالم، طريق نور وطريق ظلام، الذي سلك طريق النور لن يعود والذي سلك طريق الظلام فسوف يعود. لكن اليوغي يا ارجونا لن يضلّ، ايّما طريق ذهب فحافِظ على اليوغا يا ارجونا.
انّ قراءة الفيدا وتقديم الاضاحي والتقشّف والصدقات، يتجاوزها اليوغي كلّها، فقد عرف مرجعه الاعلى.
________________________________________
توضيح للدرس الثامن
انّ الصفات لا تصِف الذي لا يُوصَف، لأنّها فاضت عنه، فهل حَمَدت الشمس اليد التي تلقّت اشعتّها؟ 
الّا انّ الكتب المقدّسة تلجأ الى الوصف، وان نادراً، ذلك القليل الذي اوحي منه فيه من الوحي ما لو سمعه المؤمن لطار حُرّاً بين يدي مولاه، ولو للحظة قصيرة، ذلك انّ الكلمات لها مواضع في عقول البشر في آفاق التجريد والحقائق، فهنيئاً للذي دلّت الكلمات عينه الى تلك المواقع، حيث تفنى الكلمات، وحتى المجرّدات.
ان بعض الصور الذهنية التي وردت في الغيتا قد لا تكون مألوفة، فإن المألوف بحَدّ ذاته قيدٌ يجب ان يُكسَر ايضاً.
ان النقطة التي وردت في الآية 9 تُذكّرنا بحبّة الخردل التي وردت في حديث السيد المسيح، عليه صِلات الصلاة، وهي ليست من قبيل النقطة التي انطلق منها الكون، بحسب نظرية الانفجار الكبير، فإنّ هذا الانفجار تمّ في الأبعاد الثلاثة على خطّ الزمان، وامّا الخلق فقد نُشِرَ بالكينونة، كما جاء في الكتاب العظيم، وكما تلمّح الغيتا " انّما يقول له كُن فيكون"، فيجب ان لا ننسى انّ الابعاد الثلاثة والزمان هي ايضاً تحقيق للامكان وانّ الممكنات في ذات الامكان وليس في ذات المكان.
ان نظرية الانفجار الكبير تعطي صيغة حتمية للمُمكنات كالفضاء والزمان والارقام والمُقارنة، والى ما هنالك من مجرّدات، ما كان للانفجار الكبير ان ينتشر كما انتشر لو لم تكن، وسوف 
نشرح اخطاء تلك النظرية بشيء من لتفصيل في كتابات لاحقة (بإذن الله).



الدرس التاسع
العِلم الباطني
كرشنا: اسمع، وسوف اعلّمك علماً باطنياً يُرشِدَك الى ذاتك، ويحرّرك من آلام الدنيا، انك اهل لهذا العلم، فقد خَلَت نفسك من الغرور،
هو قمّة المعرفة وسرّ الاسرار وأسمى اختبار، انه مشاهدة الذات، كمالُ الدين، وهو السعادة التي تدوم.
يا قاهر الاعداء، انّ الذين كفروا بما اتى به الذين لن يصلوا اليّ، بل يتقلّبون في الدنيا.
حقيقتي تعالت على الصور تشعّ في هذا الظهور الكوني، انا احيط بكلّ الخلق لكنّي لست فيه،
لا ولا هو فييّ فَقَلِّب بصرك في اعجوبة الوجود، انا حافظ الخلق ومحيط به، انا لست ظاهراً في ظهوره، ونفسي هي مصدر هذا الظهور.
تهُبّ الريح في انحاء الارض ويبقى الهواء في الجوّ، هكذا يبقى الخلق فيّي، حاول ان تفهم.
كلّ الخلق، يا ابن كونتي، يرجع اليّ في نهاية الألف، ثم اُنشئهم خلقاً جديداً في بداية الالف الجديدة، بقدرتي.
انا انشر الكون من نفسي وبقدرتي يظهر مرّات متكرّرات، تلقائياً، كل قوى الطبيعة في ملكيّتي، لكن فعل الخلق لا يُكلفني، ايّها الكريم، فليس لي غاية منه.
بِحُكْمي وقدرتي يظهر الكون، الثابت فيه والمتحوّل وتدور نقطة البيكار فيهلك ثمّ أُظهِرَه من جديد.
الأغبياء يهزؤون منّي في الجسم البشري، لأنهم لا يفهمون طبيعتي الروحيّة، فأنا مالك المُلك، أولئك الذين الهَتهُم آمالهم، وشَغَلَتهم نفوسُهم، وبَهَرَتهم المعارِف البشرية، فجذبهم الكُفر والإلحاد، فباتوا في ضلال بعيد.
اما اولئك النفوس العِظام، عرفوا طبيعتي الروحية الالهية، فاتّخذوها ملجأً لهم يا ابن باراتا، فجعلوا حياتهم حياتي وتوجّهت قلوبهم اليّ، وعرفوا انّي المصدر لا ينضب.
يرتّلون ذِكري، يسعون اليّ، لقد عزموا، يخرّون مُسَجَّداً حُبّاً واخلاصاً، فلا ينفكّون يعبدوني. والذين اتّخذوا المعرفة طريقاً، العقل هاديهم، هم ايضاً جعلوا حياتهم حياتي، يعبدون الرب فيرونه في الوحدة، في الثنائيات، في الانتشار، وفي الصورة الكاملة.
انا الشِعار، انا القِربان، انا الضحية، انا العُشب والزهر الشافيان، انا الآيات المُرَتّلات، انا السّمنُ، بَخَّرت عطري النار أنا.
انا الكون ابوه، انا امّه وحافِظه، انا جدّاه الاقدمان، انا مُطَهِّر النفوس، انا العِرفان، انا الصُحُف المقدّسات، الكتاب والحكمة والعهد انا.
انا الغاية والشاهد، انا صديق الانسان، انا العَوْن والمقصود، انا رازق الانسان، انا الخلق، بدؤه ومَرجِعُه، انا الأرضون، رتعت عليَّ الكائنات، والحبّة الازلية انا.
انا الدفء انشره، والمطر اُقبضه واُخرِجه، انا الخلود والفناء، والمادة والروحان يا ارجونا انا.
ان الذين ساروا على طريق كُتُب الفيدا الثلاثة، يشربون شراب سوما، فقد اقاموا الشعائر وقدّموا الاضاحي، فاستغفروا ذنوبهم، طلباً للجنات، سوف يولدون في كوكب اندرا بين الاتقياء الصالحين، في السماء العُليا، فيعلمون بملذات الآلهة.
ولكن سرعان ما تنفُذ حسناتهم، وقد ارتووا من الملذات، فيسقطون الى الارض الفانية ثانيةً، اولئك الذين اتّبعوا وصايا الفيدا، ينشُدون المُتَع الحسّية، فبقوا في حلقة الولادة والموت.
وأمّا الذين جعلوني غايتهم، ولا غاية غيري، فقد فهموا العبادة، جعلوا حياتهم حياتي وتوجّهت قلوبهم اليّ، فأنا حافظ ما لديهم ولَدَي ما يطلبون.
واما الذين يعبدون آلهة اخرى مُخلِصين لها، انّما يعبدوني انا، يا ابن كونتي، لكنهم يرون خطأً.
انما لي تُقَدّم الاضاحي وأنا مالكها، لكن الذين لا يعرفون حقيقتي فلسوف يسقطون.
الذين يعبدون الآلهة يَصِلون الى تلك الآلهة، والذين يعبدون اجدادهم يَصِلون الى اجدادهم، والذين يعبدون الاشباح والشياطين يَصِلون الى الأشباح والشياطين، اما الذين يعبدوني فسوف يَصِلون اليّ.
ان الذي تفانت نفسه بحبّي لا هَمّ عنده، ما قدَّم لي، أوَرَقة ام زهرة، أفاكهة ام ماء، أنا اقبل ما يُقَدِّم لي حُباً وبَذْلاً، من نفس قد صَفَت.
فما فَعَلْتَ، وما أكَلْت، واي قربان قدّمت، وما وهبتَ وكيفما تقشّفت، يا ابن كونتي، قدّمه لي قرباناً،
ليسقط عنك الثواب والعقاب وكارما العمل، فتتحرّر من الارتباط، ففي اليوغا، وقد خَلَت نفسُكَ اليّ وتزكّت بحبي، سوف ترجع اليّ حُرّاً.
انّ اعَمَّ الخلق كله برحمتي، فلا احبُّ بعضاً ولا ابغض بعضاً، لكن اولئك الذين جعلوا حياتهم حياتي وتفانت نفوسهم لَدَي، فَلهُم مقام عندي وانا في قلوبهم.
حتى وإن اقتَرَفَ ذنباً، الذي جعل حياته حياتي وتوجَّه اليّ صادقاً، ولم ينْحَز عن طريقي، فما انفَكَّ من الصالحين الدائبين.
فلن يطول الزمان لتبلغ نفسه الحكمة ويسعد قي السلام الأبدي، فقُلها جهراً يا ابن كونتي، لن يخيب الذي طلبني.
يا ابن باراتا، مَن يلجأ اليّ وإن كان دنيّ الاصل او امرأة او تاجراً او خادماً، يصل الى مقامي الرفيع، فكيف الاتقياء الناسكون والملوك الصالحون.
هذا عالم الشقاء، والى حينٍ، فتعالَ اليّ، اعطِني حياتك ونفسك وقلبك، تأمّل وفكِّر بي دائماً، اجعلني طريقك وعبادتك،
اسجُد اليّ وسلّم لي تسليماً، فلا يبقى في قلبِك من توجُّه الا اليّ، ولسوف ترجع اليّ.
________________________________________
توضيح للدرس التاسع
إِنَما اختَلَفَت الشعائر باختلاف الآلهة، وأما عبادة الله وحده لا شريك له فواحِدة. انّ الذين يعبدون الله يعرف بعضهم بعضاً، سيماهم في وجوههم من نور السجود في مساجد قلوبهم، فإن القلوب لا تكذب، انما تنجذب الى ما تُحب، واما الاجساد فإنها صُوَر، والصور تتبع الصور.
________________________________________
الدرس العاشر
الفيض
كرشنا: اسمع مجدّداً ايها الفارس، سوف اُعلّمك علماً سامياً ينفعك، وانت عزيز عليّ.
الآلهة لا تُدرِك مصدري وثرائي ولا العُقَلاء، فأنا مصدر الالهة والحكماء على الاطلاق.
الذي يعرفني، لم أولد، لم ابتدىء، ربّ الشموس والكواكب، فهو غير ضالٍ بين البشر، وسوف تسقط عنه ذنوبه.
البصيرة والمعرفة واليقين، الصدق والصفح وضبط الأذن واللسان والعين، البهجة واليأس وحَزْمُ النفس في الحالَيْن، الخوف والجسور والحياة والمنون، الوداعة والهدوء والرضى وطلب الغفران، الشرف والعار والعطاء، اخلاق البشر اتدبّرها كلّ حين.
السَّبعُ الشَدّاد وقبلهم الأربعة والاوادم يصدرون عنّي، يولدون من العقل، ومنهم يعمُر الكون.
الذي عرف هذا الغِنى وكُنهِي المستورَ توجّه اليَّ وجعل حياته حياتي متفانياً، كُن على يقين.
انا ابتداء الخلق منّي، وعنّي يصدر كل شيء، العقلاء العارفون قد خضعوا لي وأخلصوا كل ومضة عين.
انشَغَلَتْ نفوسهم بي، لا يجاهدون الا في سبيلي، يُعَلِّمون كلمتي، ولا حديث أَسَرَّ على قلوبهم من ما كان عنَي، طوبى لهم نِعْمَ الهيام، ونشوة الحبِّ والتيم الذي دام، لقد كشفتُ عن ابصارهم وهم اليَّ راجعون.
اضاء مصباحي قلوبهم، بدّد نوره ظلام ليالي الجهل الحالكات، رحمة منّي وحُبّاً.
ارجونا: انت براهما، انت الحقيقة تنزّهت، انت الفَيْض تعالَيْت، انت الروح الطهور، انت العِلّة انت الآلاه لم تولَد، الأكبر، تباركت بهذا الظهور، هكذا تكلَّم الآلهة والحُكَماء عرفوك، واخوتك الأربعة، وهكذا من شخصك خِطابك المشهور.
ما قُلتَ إلا حقّاً، وانا أقبله، كرشنا، لا الآلهة ولا الأبالسة، ايّها الرب، قادرون أن يكشفوا هذا السر،
لا رَيْبَ، إنكّ بذاتك من ذاتك تعرف ذاتك، يا أعظم الخلق، مصدر كلّ شيء، مالِك كلّ موجود، إلاه الآلهة، مَلِك الوجود.
هل انا خليق بان تخبرني عن جمال كواكبك، وما هي إلا جذوة من نور جمالك وجلالك.
كرشنا أيها السر المكمون، كيف اعرفك؟ كيف افكّر فيك؟ بأي الأحوال اتذكّرك؟ يا ايها العليّ، اخبرني، يا قاتل المشركين، اخبرني عن قدرتك وثرائك، فلمّا يرتو ظمأي من رحيق كلامك.
كرشنا: سوف أُنبِئُك عن فيض ثرائي يا ابن كونتي لكنّي سأكتفي بالقليل، لأن لا حدود لقدرتي.
أنا النفس في البشر، في قلوب الخلق كلّهم، انا بدء الحياة وذروتها والمستقر.
انا ويشنو من الآلهة الاثنا عشر، انا الشمس ربّ الضياء الأكبر، ومِن الكواكب أنا القمر. مِنَ الكتب انا السماوية، انا السماء من المنظور، من الحواس انا البصيرة وانا الروح في الصدور.
انا شيوا من الالهة، انا سِجِل الحضارات، من الجبال انا لبنان وانا النار من العناصر.
مِنَ النُسّاك يا ارجونا انا الفارسيّ، من الفاتحين ذو القَرْنَيْن، وانا المحيط لماء البحار.
انا سقراط من الحُكَماء، من السبحات انا "أوم"، من الأضاحي أنا التراتيل، أنا الهيمالايا مِمّا وَقَر. 
انا اورفيوس من الالهة البشرية، الجهاركار من المقامات الموسيقية، سليمان من الحكماء، وانا الأرز بين الشجر.
أنا الخيل الأصائل، انا الفيل ذو العاجَيْن، انا الملك بين البشر. 
انا الزوبعة من السلاح، انا الحب والتكاثُر، الكوبرا من الأفاعي وانا الدَرور من البقر. انا التنّين لا يُقهَر، انا المحيطات، انا آدم من الأجداد، وانا العقاب والنُذُر.
من الشياطين انا حاكمها، بين الوحوش انا الغَضَنْفَر، انا الوقت اُخضِع كلّ شيء وانا النسر للطيور.
انا الخضرُ من المسلّحين، الريح المُطَهّر انا، القرش للأسماك، والغانجي بين النُهُر. للحياة انا البدء والذروة والنهاية، يا ارجونا، ومن العلم انا الروحي ومن التدريب انا المنطق دلّ البصر.
انا الألِف من الحروف، براهما من الخالقين، انا الوقت لا ينضب، وانا التماسُك في الصّور. انا البعث يبدأ جيلاً جديداً، انا الجلال والجمال، الشُهرة والفصاحة، النساء الخالدات، الذكاء والحَزْم والذاكرة والصبر.
من الصلوات انا العيد، من الشِعر انا الملحمة، من الفصول انا الربيع، ذو الحِجّة بين الشهور. انا المَيْسِر للغشّاش، روعة كلّ رائع، قوّة القوي، مخاطرة المغامِر، ونصر المنتَصِر.
من أحفاد آدم انا الأنبياء، من الفرسان انا ارجونا، من العُقلاء فيثاغوراس، ارسطو من المفكّرين الكبار.
للرَدْع انا العِقاب، للنصر الشهامة، للعالم انا العِلم، وانا الصمت للأسرار، ومهما كان وسيكون يا ارجونا، انا حبّة الكينونة، فكلّ موجود ساكن او متحوّل لا يشفع الا بإذني.
فيا منهِك الأعداء، لا حدّ ولا نهاية لثراء فيضي وما اعطيك إلا اشارة لما لديّ. فليس ثراء الوجود وجماله إلا جذوة من جمالي وجلالي، 
ولكن ما الفائدة من معرفة المتفرّقات يا ارجونا، فإنّ ذرّة منّي تمدّ الكون وتحيط به.
ملاحظة: لقد استبدلنا بعض الأسماء الهندية الواردة في بعض آيات هذا الدرس بأسماء مماثلة ومألوفة لدى القارئ بالعربية، فإن الغرض من هذا العرض هو الاشارة الى كنه الأشياء وذُرواتها، فكما سنرى انّ هذا سوف يثير الشوق في نفس ارجونا الملائكية، فتنتشي وتحلّق في ارتفاعات شاهقة.
________________________________________
الدرس الحادي عشر
شاهِد النفس
ارجونا: كلماتك اشارت الى كنهك المستور وبدّدت الوهم في نفسي، فضلاً منك وكرماً، لقد اسمعتني كيف يبدأ الخلق ويهلك، يا ذا العين اللوتس، وأنبأتني عن ثرائك الذي ما ينضب. 
يا افضل الخلق، ايها العقل الكلّي، كلامك اثار الشوق في نفسي لرؤية ظهورك الإلهي، فإنْ كنت اهلاً، يا عقل الوجود، اكشِف عني الغطاء، ودعني ارى نفسك الكونية.
كرشنا: يا ابن باراتا، هاك تجلّياتي وصُوَري الالاهية بألوانها، مئات وألوف عديدة، انظر، الأبراجَ الإثني عشر، والثمانية والأنْجُم السبعة، وعجائباً كثيرة، وكثيراً لم تَرَ،
يا خير الباراتا، في هذا الجسم، في هذا الحال، تجلّى الكون بكماله، بما حَرَك منه وما سَكَن، فانظر يا ارجونا وشاهِد ما رغِبتَ.
لكنّ عينيك الشحميتين تعجزان عن رؤيتي، فخُذ هاتين العينين الإلاهيتين، واشهد أبعادي الروحية، التي ما خطرت ببال.
سنجايا: ايّها الملك، كرشنا العقل الكلّي، الروح الطَهور، اظهِر لأرجونا صورته الكونية، أفواهاً وعيوناً عديدة، مشاهدة بديعة، اسلحة سماوية، شُهِرَت ورُصِّعَت بالنجوم، اثواباً سماوية عبقتها عطور إلاهية، اكاليل زهر سماوية تدلّت، وقد تدلّى هُدُب ثوبه فلم يُختَتَم.
او انّ ألف شمس أشرقت معاً، لتَشبّه وهجها في السماء بشعشعانية الروح العظيم. في ذلك المكان الواحد، في ذلك الزمام، ظهر الكون كاملاً وتفرّق في الكثير، رآه ارجونا في إلاه الآلهة، في الصورة الكونية المقام. 
فحنى ارجونا رأسه رهبة واقشعرّ جِسمه، وأطبق كفّيه ساجِداً امام مشهد الالاه وبدأ يتكلّم.
ارجونا: انّي ارى كلّ الآلهة في الجسم ايُّها الربّ، وكذلك الخلق، انّي ارى براهما وشيوا بارزين، تربّعا على زهرة اللوتس، وكذلك الحكماء، انّي ارى كذلك الآلهة الثعابين.
انّي ارى افواهاً وعيوناً وأذرعة وبطوناً، على الجانبَيْن لا ينتهيان، انّي أراك ايّها العقل الكُلّي، انّي ارى انّ لا ابتداء ولا انتهاء ولا ما بَيْن.
اني ارى التّيجان والهالات والصولجان، ونوراً كشمس، نورها شعشعاني يخلِب الناظرين، ما ارى لا يُرى، نور باهر اضاء الكون.
انت الكامل، حاكم الكون، يعرفك ذوو حكمة، تعالَيْت، على راحتيك يطمئنّ الوجود، بِفَيْضِك لا ينتهي، وضَعْتَ صراطك المستقيم وأَبَنْتَه للخلق ، انّي على يقين.
لا ابتداءَ لك ولا انتهاء ولا ذروة ولا حدودَ لِمَجدك وجلالك، ذراعاك أحاطا العالمين، والشمس والقمر عيناك والنار تلهثها تهِجُّ من فمِك، وعَمَّ دِفؤها اصقاع الكون.
شعَعْتَ في السماوات وفي الارض، وبينهما، وليس هناك غيرك، خَشَعَتْ المدائر الشمسية الثلاث رهبة بهائك وجمالك ايّها الروح العظيم.
قد جاءِك الآلهة رُكَّعاً، مطبقين الكَفّيْن خِشيةً، يقرؤون صلواتهم، والعقلاء يرتّلون آياتك، يقولون السلام عليك، بك عائذين. 
شيوا والرُسُل والأنبياء والعناصر والموسيقى قد جاءوا بعَجَب ينظرون. في ظهورك ايّها المدرّع العظيم وجوه وعيون، اذرُع وأرجُل وأفخاذ، بطون وأسنان فظيعة، خَشِيَت رؤياك الكواكب وجَزِعَت، وخشِيتُ خِشيةَ الكواكب وآلهتها مُجتَمعين.
انّي اراك، لامَستَ السماء، وَهَجَتْ عيناك العظيمتان أبدع الالوان،... فخَشِيَت نفسي وصُعِقَ عقلي وفقدت توازني، ايها الرب ويشنو.
يا ربّ الأرباب ومأوى العوالِم، رحمةً مِنكَ، انّي ارى أسنانك المريعة ونار الموت في وجوهك العديدة، فذُهِلتُ واختلطت الاتّجاهات في فكري.
انّي ارى ابناء دراتراسترا وملوكهم وحلفاءَهُم ومقاتليهم، بيشما، دورونا، كارنا، اني ارى ايضاً فرساننا وقادتهم قد هَرَعوا الى افواهِك الرهيبة جميعاً، بعضهم شَرَكَتْ رؤوسهم في الأسنان فسُحِقَت، وكلّهم مُلتَهَمون.
كما تنسلُّ دفعات الماء الى المحيط، يدخل ملوك الأرض اولئك الى أفواهك وفي سَعيرها يهلكون.
وكما تُسرِع الفراشات الى هلاك أنفُسها في النار، يقحُمُ البشر الى افواهك بائدين.
انك تَلْعَق وتلتَهِم الخلق اينما كانوا بجحيم افواهك،
وأشعّتك المُخيفة لَفَحَت الكون لَفْحاً، يا ويشنو يا اله الآلهة، مَن انتَ بهذا الوجه الغاضب؟
رفقاً بي أستَغفُرَك يا ارحم الراحمين، انت الأصل، ودَدت لو عرفتك وعرفتُ مهمّتك في العالمين.
كرشنا: أنا ساعة العالم، انا مَمَات الخلق، فباستثنائك انت، جئتُ أُنهي هذين الجيشين برُمّتِهِما على الجانِبَيْن.
فانهض ايها المحارِب، وقاتِل لتَمْحَقَ اعداءك وتنعم بشرف النصر والعَيْش بسلام، فهؤلاء الجنود قد قُتِلوا الآن حُكْماً، وما انت إلا الأداة في هذا التدبير المتين.
درونا وبيشما وجايا دراثا وكارنا، والمقاتِلون الاخرون هم قَتْلى لديَّ الآن، فانطَلِق وقاتِلهم ولا تقلق، واسحق أعدائك في ساعة الحرب.
سانجايا: أيها الملِك، عندما سَمِعَ ارجونا كلام كرشنا أطبق كفّيه خاشِعاً، وانحنى مرّاتٍ عديدة، ثمّ بدأ يتكلّم كرشنا بصوت مُرتَجِف. 
ارجونا: يا سيّد الحواس، يبتهِج العالم لسماع اسمك ويزداد حبّاً لك، والشياطين تفرّ خوفاً متفرِّقة، والعقلاء يأتون اليك مُقَدّمين الطاعة والولاء.
ولِمَ لا يسجُد لك هؤلاء، ايّها الروح العظيم، فأنت بادىء كل شيء، حتى براهما، ايّها الخالق الأعلى، لا تحدّك حدود، مأوى الآلهة، ملجأ الوجود، أزلي، تعالَيْتَ على قانون العِلّة والمعلول،
انت الالاه الأصل، ذلك الخلقُ القديم، أنت مقام هذا الكون العليّ، ذاتك العارِفُ وذاتك المعروف، أنت مُرجِعُ الخلق الأعلى، تشِعُّ في الوجود، تعالَيْتَ على الحدود،
انتَ حاكم الهواء والنار والماء والقمر، انت برهما، الجدّ الاكبر، السلامُ عليك ثُمّ السلام عليك، الف مرّة، وعليها مرّات مؤلِّفات، السلام عليك ثمّ عليك السلام.
أسجُدُ لك قُدّامك وخلفك، وكيفما اتّجهت عليك منّي السلام، حقّاً انت كلّ شيء ولا حدود لقدرتك، ولا حدود لقوّتك، تحيط بكلّ الوجود فأنت الوجود.
لقد ناديتُكَ كرشنا، صديقي، ظنّاً انك صديقي، سذاجةً منّي وحُبّاً، فلَمْ اكُن اعرِف مجدَكَ وسُلطانك، وفي وقت الراحة أو وقت النوم، أو حوْل المائدة، او مع الأصحاب، قد أكون أهَنتُك مازِحاً، يا مَن تعالَيْتَ على الخطأ، أطلب منك العفو والغُفران.
أنت ابو الكون بما حَيا منه وما جَمَد، انت السيد المعبود المجيد، ليس كمِثلك شيء، لا في أيّة من المدائر الشمسية الثلاث، تعالَت قدرتك على الأفهام.
فها انا راكِع بجِسمي، حانِياً رأسي، أطلب الصُفْحَ والغفران، امامك ايها العلي المعبود، كما الابن امام أبيه، والصديق امام صديقه، والحبيب امام حبيبه، طالباً رحمتك والحُلم.
يا سعد عقلي بمشاهِدك، ليس كمثلها شيء، لكنّ ضعفه كشفه الوَجَل، ايّها الربّ رحمةً بي اظهِر لي صورتك البشريّة، يا مرجَع العالم.
اتمنّى ان اشاهِدك بصورتك ذات الأذرع الأربع، يا ذا الآلاف، بهالتِك، وقد حَمَلتَ الصولجان والقُرص وزهرة اللوتس والصدفة الحلزونيّة، فاكشِف لي صورة الكون.
كرشنا: ارجونا، لقد أظهرتَ لك صورتي الروحيّة بقُدرَتي حُبّاً لك، صورة الأصل الكوني كاملاً نورانيّاً، تعدّى حدود المادة، هذا مُلكي الذي لم اُظهِرَه لأحد قبلك.
لا الأضاحي، ولا قراءة الفيدا، ولا الصدقات، ولا الأعمال الخيريّة ولا الطقوس ولا التنسُّك ولا تعذيب الجسم في هذا العالم تكشف هذه الرؤيى للانسان، الرؤيى التي لَمْ يرها أحد قبلك، يا ابسل محاربٍ للكورو.
ابعِد عن قلبِك الخوف، وابقَ هادئاً، ولا يمسّنك وجل ولا اضطراب لدى ظهوري المهيب فانظر مرّة اخرى.
سانجايا: تكلّمَ كرشنا لأرجونا، ثم أراه صورته الأولى، فهدأت نفس ارجونا لرؤية الصورة البديعة الجمال للروح العظيم، عندما رأى ارجونا هذه الصورة البشريّة قال:
ارجونا: الآن وقد رايتُك بصورتك البشرية البديعةَ الجمال اطمأنّ قلبي وعاد صوابي.
كرشنا: انّ هذه الرؤيى التي رأيت يا ارجونا صعبةُ المنال، الآلهة في شوق دائم لها، فلا بِقِراءة ولا بالنتسُّك، ولا بالصدقات ولا بالشعائر يحظى الانسان برؤيتي كما رأيتني.
الذي جعل حياته حياتي وسلّم لي تسليماً هو الذي سوف ينالها يا ارجونا، هذا هو السبيل الوحيد لدخول مقامي ايها المحارب العظيم.
الذي عمل عملي، انا غايته، جعل حياته حياتي، فتزكّى، ليس له عدو بين الخلق، هذا هو الذي يرجع اليّ، يا ابن ياندو.
________________________________________
الدرس الثاني عشر
بهاكتي يوغا (الزهد)
ارجونا: هناك اثنان على طريق العبادة، الأول جَعَلَ حياته حياتك، والثاني يحاول تجاوُز الحواس وصولاً الى الدوائر الروحية. أي الاثنين اعمق معرفة؟
كرشنا: انّ الذي وجّه عقله اليّ وانشغل بعبادتي صادقاً مؤمناً مُتَسامياً، هو الأقرب اليّ والأعمق معرفة.
وإنّ الذين يسعون الى المحض اللاصوَري، الذي شعّ في كل شيء، لا تحدّه الأفكار، الأزلي الذي علا دوائر الإدراك الفكري، حازمين حواسَهم، ثابتي الخُلُقِ، فيعملون لخير البشر، هم ايضاً سوف يصلون اليّ، لكنّ طريق اللاصوَري صعب وشاق على النفوس في الجسم الترابي.
وانّ الذين قدّموا اعمالهم لي، وجعلوني عَوذَهم وملاذهم، مخلِصين صادقين، يمارسون يوغا الزُهد (بهاكتي) فتوجّهوا اليَّ عابدين متهجّدين، انا مُخَلّصهم من محيط الموت والولادة والحيوات الدنيا قريباً يا ابن باراتا، فقد توجّهَت عقولهم الى الطريق المستقيم.
توجّه اليّ بعقلِك وفكرِك، وسوف تحيى فيَّ، كُن على يقين.
فإذا عَجِزتَ عن حزمِ عقلِكَ وتوجيهه اليّ ثابتاً، اجعل حياتك حياتي، فهذا يُثير شوقك اليّ يا ارجونا.
واذا عجزت عن ذلك، اجعلني غاية كلّ ما تعملُ، فحتى العمل يمكن ان يوصِلك الى الكمال.
واذا عَجِزت حتى عن ذلك، تخلّ عن ثمرات كلّ افعالك ناكراً اجرك، وحاول ان تبقي نفسَكَ داخل نفسِك.
المعرفة خير من مُجَرّد الممارسة، والتهجّد خير من مجرّد المعرفة، ونكران ثمرة الفعل خير من مجرّد التهجّد، هذا الزهد في الدنيا هو سلام النفس.
الذي خلا صدره من الحسد، فهو رفيق بكلّ الكائنات، وديع وصَدوق، لا يتعلّق بمُلكيّاته وقد خلا من الغرور، صافي النفس في النجاح والخسران، مسامحٌ راضٍ، مُسَيْطِر على اهوائه باليوغا، متوجّهاً اليّ دائماً بعقلِه وفِكره، فجَعَل حياته حياتي، هذا الانسان عزيز جداً عليّ.
الذي لا يضطرب من الناس ولا يضطربُ الناس منه، تحرّر من الخوف والقلق، والسرور والخوف. 
هذا الانسان عزيز جداً عليّ.
الذي هو مُحايِد، طاهر، ذكيّ، لا يأخذه الهمّ، ولا اليأس، لا يريد اجراً لاعماله، مُكَرِّساً حياته لي، هذا الانسان عزيز جداً عليّ.
الذي لا يفرح ولا يكتئب، لا يتحسّر ولا يشتهي شيئاً، لا يتفاءل ولا يتشاءم، جعل حياته حياتي، هذا الانسان عزيز جداً عليّ.
الذي تساوى عنده العدوّ والصديق، والشرف والعار، والحرّ والبرد، حُرّاً من الانتماء لأي شيء، يبقى هادئاً في السرّاء والضرّاء، وفي المجد وفي المَذَلّة، صامتاً وقانعاً، لا يمتلك منزلاً، عازماً ومصمِّماً ، فكرّس حياته لي، هذا الانسان عزيز جداً عليّ.
انّ الذين ارتشفوا من هذا الرحيق الديني الذي قدّمتُه لك، وساروا على سبيلِه مؤمنين، يتّخذونني غايتهم ويجعلون حياتهم حياتي، هؤلاء هم اعزّاء جداً جداً عليّ.
________________________________________
الدرس الثالث عشر
النُون والقَلَم
ارجونا: كرشنا، اريد ان افهم، ما الطبيعة؟ ما الروح؟
ما الارض وما هو العارِف في الأرض؟ اريد ان افهم، ما المعرفة وما المعروف؟
كرشنا: يا ابن كونتي، الجسم هو الارض، هو النون، والعارف في الأرض هو الذي عرف حقيقته في الجسم. انا العارف في الأرض، ايها المحارِب، معرفة الأرض ومعرفة العارِف في الأرض هي المعرفة الحقيقية، هذا رأيي.
سأبيِّن لك ما هي مكوّنات الأرض، ولأي تغييرات تخضع، منذ نشأتها، وما هو العارف في الأرض وتاثيره عليها.
بعض التراتيل في الراهما سوترا كتبها عقلاء أقدمون، تُلَمِّح عن العلّة والمعلول، وهي متفرّقة وغير متبَلوَرة، ولكنها أحسَنَتْ التعبير. 
العناصر الخمسة، الآنا الجسميّة، الفِكر، الهيولى، اعضاء الجسم العشرة، الذكاء، اوساط الحواس الخمس، الرغبة والنفور، السرور والاكتئاب، المُجْمَل، الاقتناع، كل هذه باختصار هي مكوِّنات الارض التي هي مسرح الأفعال وارتباطاتها ببعضها. التواضع، الوداعة، الرّفق، الحِلم، البساطة، طِيب النيّة، النظافة، المثابرة، ضبط النفس، هَجر الهوى، فُقدان الغرور، الادراك انّ الولادة والحياة والشيخوخة والمرض والموت شرور، الحريّة مِنَ التعلّق بالملكيات والعائلة والزوج والاولاد، المحافظة على هدوء النفس في المسرّات والملمّات، التوجّه اليّ دائماً بلا تردّد، العَيْش في عزلة بعيداً عن الغوغاء، ادراك اهمية معرفة النفس، والبحث الفلسفي عن الحقيقة المنزّهة، كلّ هذه هي عناصر المعرفة، وعدا ذلك ليس هناك الا الجهل، واما الذي يُعرَف، سوف اشرح لك، انّه ذلك الرحيق السماوي، لذوي الذوق، العلّي الأعلى لي، لم يصدر عن شيء، تعالى عن السببيّة والفعل كما يُقال.
يداه اينما كنت، رجلاه اينما كنت، عيناه ورؤوسه اينما كُنت، وجهه اينما كنت، أذُناه في كلّ الكون. 
المصدر الأعلى للحواس والعِلَل الطبيعية، ولكن لا حواسّ له، غنيّ عن كل شيء، حافظ الخَلق، تعالى على الصفات عِلّة العِلل في الكائنات ودونها، في الميت والحي، ألطف مِن أن يُرى، الأقرب والأجلّ.
في الاجزاء ولم يتجزّأ، كأنه تجزّأ لكنّه أحدٌ، الأب للخلق، يُرجِعَهم ويستهِل.
النور في المصابيح، اين الظلام؟ المعرفة والمعروف والقصد، في كلّ قلب نزل.
هذا باختصار ما يجب ان تعرفه عن الارض والمعرفة والمعروف، انّ الذي يسير على طريقي ويفهم هذا فلسوف يصل اليّ.
يجب ان تعرف ايضاً انّ الطبيعة والحياة لا تبتدئان وانّ العلل الطبيعية الثلاث هي وليدة الطبيعة. الفعل والمفعول هما ادوات الطبيعة في فِعل الخَلق، والسرور والهم ّهُما ادوات الكائن الحيّ في اختبار العالم.
هكذا يَنْعَم الكائن في الجسم الطبيعي بالعلل الطبيعيّة، بتطابُقٍ مع طبيعته مُنْذُ الولادة، في السّلالات الحيّة، بين الخير والشر.
ولكن، في الجسم، هناك كائن آخر، الرقيب الآذِن، القلم، الروح الاعظم في الجسم، الكائن العليّ.
انّ الذي يُدرِك حقيقة الكائن الحي والطبيعة، وعِللها، رُغم وجودِه في الجسم، فلَن يولد بعد اليوم.
بعض يسلك مسلك التأمّل في نفوسهم وصولا الى تلك الحقيقة، بعض يسلك مسلك العقل، فيمارسون البحث الفلسفي، وبعض يتزكّون في يوغا نُكران النفس ورغباتها. بعض غير ذوي معرفة، يتعلّمون من العارفين فيعبدون، هؤلاء ايضاً سوف يصِلون إعلم يا ابن باراتا، كلّ موجود متحرّكا كان ام ساكناً، هو زوجٌ من الميم والنون.
انّ الذي رأى الروح، العقل القدس، في قلوب كلّ الأحياء لا يفنى فناء الاجسام، الذي يرى كذلك يرى الحق.
انّ الذي يرى العقل قانوناً واحداً في كلّ شيء وفي كلّ الخلق، الذي يرى كذلك لا تتدنّى نفسه بنفسها، وسوف يصل الى الدائرة العليا.
انّ الذي يرى انّ الخَلق الذي انتشر انما هو نفسٌ واحدة، ظهرت متفرّقة في الاجسام، الذي يرى كذلك فهو ذو سلطان عظيم، انه يرى براهمَن.
انّ الذي يرى انّ الطبيعة هي الفاعل والمفعول في الواقع، وليست النفس، الذي يرى كذلك يرى صورة كاملةً.
الأزلي الذي تنزّه وتعالى على الطبيعة، لا يفنى فناءها، يسكن الجسم الطيفيّ يا ابن كونتي، لكنه تعالى على الفعل وتكاليفه.
فكما الفراغ يملأ كلّ شيء ولكنّه أرقّ من ان يختلِط بشيء، كذلك النفس في الأفق الأعلى، لا تختلط بالجسم في الجسم.
وكما يملأ ضياء الشمس الواحدة العالم، كذلك الروح تشعّ في الجسم يا ابن باراتا.
ان الذي يرى بعَين العقل، الأرض من العارِف، يرى الطبيعة من الروح ايضاً، الذي يرى كذلك قد اقترب من العلي الأعلى.
________________________________________
الدرس الرابع عشر
العِلل الثلاث
كرشنا: مرّة ثانية، سوف اعلّمك علماً، هو عِلْم العلوم، ومعرفة سامية، عرفَه الحكماء الأقدمون فتجاوزوا هذا العالم ووصلوا الى الكمال.
انّ الذين تمكنّوا بهذه المعرفة ادركوا حقيقتي، فلا يولدون في بدءِ الخلق ولا يضطربون حين تاتي ساعتُه.
براهما هو مصدر الوجود المادي وانا أخلق الحبّة فتنتشِر الكائنات، يا باراتا.
كلّ الكائنات يا ابن كونتي على اختلاف صُوَرِها، مصدرها براهما، باعث الحياة في المادة، وانا الأبُ الذي منه تأتي حبّة الخَلْق.
السكون والحركة والتناغُم هي علل الطبيعة الثلاث، يخضع لها الكائن الحي في الجسم الطيني ايها الفارس.
علة التناغم هي الانقى، بنورها تُبعِد الانسان عن الشر، لكنّها تُثير حُب المعرفة والشوق للسعادة.
علّة الحركة وليدة الشهرة والهوى، تُعمي الانسان وتسجنه في حلقة العمل وثمراته. علّة السكون وليدة الجهل والضلال، يخضع لها كل كائن، تحت تأثيرها الانسان نائم وخامل وأحمق، يا ابن باراتا.
التناغُم يربط الانسان بالسعادة، الحركة بالهوى والفعل، والسكون بالجهل والسفاهة.
احياناً، تكون طبيعة التناغُم الأقوى، فتُسيطر على طبيعتَي الحركة والسكون، واحياناً تكون طبيعة الحركة الأقوى، فتُسيطِر على طبيعتَي التناغُم والسكون، واحياناً تكون طبيعة السكون الأقوى، فتُسيطِر على طبيعتَي التناغُم والحركة.
عندما تتفتّح ابواب النفس ويُضيء نور المعرفة قلبَ الانسان، اِعلَمْ انّ علة التناغم هي الأقوى، وعندما تستعِرُ الرغبات ويدفع الطمع الانسان الى سعيٍ مادي لا يهدأ، إعلم انّ علّة الحركة هي الأقوى يا امير الباراتا، وعندما يغلِّف الظلامُ قلب الانسان، فيضيع في اوهامه، وتظهرُ عليه علامات الخمول والغباء، اعلمْ انّ علّة السكون هي الأقوى، يا ابن كورو، انّ الانسان الذي ارتقى طبع التناغُم يبعث في كواكِب العقلاء بعد الموت.
والذي يموت في طبع الحركة يعود الى مجتمع منهمِك بالعمل والانجاز الماديّين.
واما الذي يموت في طبع السكون فإنه سوف يُبعَث بين جماعات تقوقعت في حيوانيّتها. مِنَ الفعل، ما كان في التناغم فهو خيّر نقي الثمار، ما كان في الحركة ثمارُه الشقاء، وما كان في السكون ثماره العدم.
من التناغُم تنشأ المعرفة، من الحركة الطمع، ومن السكون العبث والجهل واللاعقلانية.
يرتفع ذوو الطبع التناغُمي الى الكواكب الارفع مقاماً، يبقى ذوو الطبع الحركي في هذا العالم، وامّا ذوو الطبع الساكن فينحدِرون الى عالم جهنّم مادي. 
انّ الذي يرى انّ كل فعل لا فاعل له إلا العِلَل الثلاث، يرى صواباً، وسوف يتجاوز العلل الثلاث ويرتقي الى طبيعتي الروحية.
انّ الذي يتجاوز العلل الثلاث، قرينه الجسم التُرابي، يتحرّر من الولادة والشيخوخة والموت وآلامها ويشرب رحيق الخلود.
ارجونا: يا سيدي، كيف هي طباع الذي تجاوز العلل الثلاث؟ كيف يعيش وكيف يتجاوزها؟
كرشنا: يا ابن ياندو، انّ الذي لا ينفرُ من التناغم والحركة والسكون، ولا يتوق لها ايضاً، الذي لا يعتَرِض لها ولا يكتَرِث بها، يبقى محايداً، لا ينفَعِل لفعلها ولا يضطرِب، فهو مطمئنّ في السرّاء والضرّاء في اعماق نفسه، يرى بعَين واحدة التراب والحجارة والذهب، يتقبّل بروح واحدة المشؤوم من الأحداث والمُستَحب، المجد والعار، الشرف وسوء السمعة، الصديق والعدوّ، ينبذُ السعي الماديّ، هذا هو الذي يتجاوز العلل الطبيعية الثلاث.
وانّ الذي بذل حياته لي، يقدّم لي كلّ ما يفعل، لا يَحيزُ ولا يتحيّر، هو ايضاً يتجاوز العلل الثلاث ويسمو الى دائرة براهْمَن.
فأنا براهْمَن، الذي يبقى، الحي الذي لا يموت، الأزلي الذي لا يفنى، منشأ الخلق، هناك السلام الأبدي.
________________________________________
الدرس الخامس عشر
السرّ في الكتب
كرشنا: يُقال انّ هناك شجرة عظيمة، شجرة الزقّوم جذورها في السماء وفروعها في الارض، اوراقها تراتيل الفيدا، الذي يعرف هذه الشجرة يعرف الفيدا. صعوداً وهبوطاً تمتد فروعها، تغذّيها العِلل الطبيعية، طَلْعُها مُغرَيات الحواس، جذورها في ارض الفعل والكارما البشرية.
صورتها لا تُرى في هذا العالم، لا ابتداء لها ولا انتهاء، فقد تأصّلت في الأرض. لكنّ الذي تسلّح بالهجرة والزكاة يقطعُ فروعها بحزمٍ، ويدأب للوصول الى حيث لا تراجُع بعد الآن، الى المصدر الحيّ الدائم مُطمئناً، الذي منه الابتداء،
واليه الرجوع مُنذ القِدَم.
انّ الذين تحرّروا من الغرور والوهام نبذوا الخُرافات وتخلّصوا من الشهوات، فَعلَوا على المتضادات والنسبيّات، والحزن والسرور، وهم على يقين، لقد وصلوا البيت العتيق في المملكة الأبدية، التي لا تضيؤها شمس الكون ولا القمر، ولا قوة النار، تجري من تحتِهم الأيام، خالدين فيها ابداً، هذا مسكني الأعلى.
انّ الكائن الحي في هذا العالم هو نثرة أزلية منّي، يتقمّص الجسم الطبيعيّ ذا الحواس الخمس، فيواجه صِعاباً عِظاماً.
ما يضعُه الخالق في الجسم يسلخُه ايضاً عنه، كما تحملُ الريحُ الرائحة بعيداً عن مصدرِها. السمع والنظر واللمس والشم تجتمع في النفس، فتختبر العالم الحسّي.
انّ الاغبياء لا يستطيعون ان يفهموا كيف انّ النفس تتقمّص الجسم ثم تغادِرُه، وانّ الجسم يُجَسّم طبيعة النفس في العلل الثلاث.
الذين مارسوا اليوغا وعرفوا نفوسهم يَرون هذه الحقيقة في نفوسهم، اما الذين وَهَنَت عقولهم فهم يعجزون.
ذلك البهاء الذي في نور الشمس الذي يُضيء العالمَ بكلّيته، وكذلك البهاء الذي في ضوء القمر وفي النار ايضاً، انه يصدر منّي أنا أدخُلُ الكواكب والكائنات فاوقِدُها بطاقتي، انا القمر المُغَذّي الزرع فيمتلىء نُسغاً.
انا نارُ الهَضمِ في الأجسام، انا طاقة التنفّس، تُمَثّل انواع الطعام الأربعة.
انا في قلوب الكائنات، انا الذاكرة والمعرفة والنِسيان، الفيدا تنبىء عنّي، انا ذو اللوح المحفوظ في معارِجي، حافظ الكتاب والحكمة.
هناك حالان، حال النقص وحال الكمال، ففي الحيوات الدنيا النقص هو حال كلّ الخلق، وأما الكمال فهو الحال في الواحِديّة.
ولكن هناك ذاك العلي، خيرُ الكائنات، الروح العظيم، حافظُ الكون والدوائر الثلاث، انّه الخلق الذي لا ينضب، عقل الوجود الكُلّي.
يتغنّى العالم بذِكري، وكذلك الكُتُب، لأني خير الخلق، المُنزّه على الخطأ، تجاوزتُ عالم النقص. 
الذي عرفني كذلك معرفةً يقيناً، عرف انّي اكملُ الخلق، وقد عَرَفَ كلّ شيء وتزكّى يا ابن باراتا.
يا ابن باراتا، لقد كشفتُ لك سِرّ الكُتُب، المقدّسةِ الأكبرَ، انّ الذي يُدرِك هذا السر هو لا ريب، سائر على طريقي المستقيم.
توضيح
ان شجرة الزقوم قد وُصِفَت برموز مختلفة في جميع الرسالات، الذي قطع جذورها في نفسه يستطيع ان يتذكّرها: شجرة عظيمة ضخمة، تُلامس السماء، في ذلك الأُفُق حيث الابعاد الثلاثة ليست كما هي على الارض، وتهبط فروعها وجذورها الى أراض دنيّة، حيث تتكثّف المُثُل وتتفضّل وتأخذ صوَراً متفرّقة، في عالم النور والظل.
انّها شجرة الامكان، وبين فروعها وعلى اوراقها تظهر وجوه انبياء الظلام (لعنهم الله) للذي يحدِّق بها، يغوون النفس بما يخبؤونه من مُغرَيات عقلية وصُوَر باهرة، وبالوجود الكثيف الذي يدّعون انّهم هم خالقوه، فتستجيب النفس لدعائهم، مدفوعة برغبتها بمعرفة نفسها، فتهبط على غصونها، وكلّما ازدادت هبوطاً اظلم العالم حولها وصار مخيفاً، ولكن الصُوَر التي تراها والكثافة الي تشعر بها تحثّها على طلب المزيد، فتكتشف جسمها وتلك النقطة التي لا نشعر بوجودها الا في اللقاء، فقد حُجِبَت بلباس روحيّتها.
انها اعجوبة هذا الخَلْق العظيم، فهذا الجسم الطيني هو النفس بكلّيتها، من عقلها الى حواسّها واعضائها والى اسقاطها في طينيّتها، حيث تأخذ المادّة عمل الخلق في الاتّحاد، لكن النفس المؤمنة تعرف طريق الرجوع، على تلك الفروع والجذور التي تمتد صعوداً ايضاً، للذين يريدون ان يتحرّروا منها حرّية كاملةً.
فبقبول آدم وحواء، العقل والنفس، الخلق الاول، النزول على اغصان تلك الشجرة تعرّفا على الامكان، وتحقّقت ارادة المولى (عزّ وجلّ)، وحَكَم المولى ان اهبطوا منها جميعاً، لتختبِر الانفس انفسها في منآى اجسامها الطينية.
ولم يكُفّ انبياء الظلام عن شدّ الانفس هبوطاً، فما زالت تلك الشجرة الخبيثة تُغريها بالمُغريات الكثيفة، والصور الفارغة من الجوهر، وبالحرية الزائفة: فبينما كانت النفس في الحقّ تتلقّى الرزق من الحق بالحق، جاء انبياء الظلام (لعنهم الله) بملاهي عقلية، خُدِعَ بها ذوو النفس الضعيفة، تتحقّق بإرادة النفس...
ان اعظم اثم تأثمه النفس هو الابتعاد عن حقيقتها: فترى الصُوَر حقيقةً، لأنها مفطورة على المشاهدة. وما تزال الانفس تهبط، والى هذا اليوم، بشتّى مُغرَيات الكثافة والظلام، التي تارةً تاخذ صيغة دينية، وتارة صيغة علميّة، وتارة لهواً عقلياً، في عالم الظلمات الثلاث، كما جاء في الكتاب: ظلمة الجسم وظلمة الجهل وظلمة غياب الشمس الأحدية، هذا هو اختبار النفس لنفسها، الذي لو شاءت لتجاوزته منذ زمن بعيد. اولئك هم الذين خُطِفوا الخطفة الأولى، فغابوا عن وصف الواصفين وتعريف العارفين.
واما الفعل والكارما، فإنهما ابتدءا منذ ان تعرّفت الانفس على اعضاء جسمها واطرافها وما يمكِنُها فعله بها بإرادتها، بعد ان كانت قاصِرات الطّرف، عيناً، في صورة بيضاوية مكنونة، كما جاء في الكتاب، هائمة في المحيط اللانهائي، خَلْقَ مولاها، سعيدةً بوجودها في ميمها في عقلها، ففي هذه الحال انّها اذا ما ارادت شيئاً فإنّها إرادة العقل فلا اثم فيها، فأمّا في هبوطها، فانها اذا ما ارادت شيئاً، ارادته باعضائها والطرافها، وهذا تغيير لتوازن القانون، الذي يتطلّب اعادة لذلك التوازن، بالقانون، فهذه هي الكارما.
________________________________________
الدرس السادس عشر
ابناء النور وابناء الظلام
كرشنا: الذي لا يخاف شيئاً، الطاهر النفس، العارف، الذي يوصِل باليوغا، المُحْسِن، الحازم نفسه، القائم بالفرائض، الذي يدرس الكتب، الزاهد المتواضع الرفيق الصادق، الحليم الشهم، الهادىء، الذي لا يُدين احداً، الرحيم لكلّ الخلق، العفيف، الوديع المتواضع، المصمّم النبيه، المتسامِح ، الصبور، النظيف، الذي لا يحسُد احداً ولا يتجمّل، هذه هي طبيعة ابناء النور في ولادتهم، يا ابن باراتا.
متكبّر فظ خدّاع غضوب قاسي القلب، جاهل، هذي هي طبيعة ابناء الظلام في ولادتهم، يا ابن باراتا. 
انّ طبيعة ابناء النور تقودهم الى الحرّية، واما طبيعة ابناء الظلام فإنها تُثقِلُهم بالاغلال، ولكن لا تقلَق يا ابن ياندو، فانت من ابناء النور.
يا ابن باراتا، هناك مَلآن، الملأ الملائكي والمَلأ الشيطاني، لقد حدّثتك عن الملائكي، فاسمع ما ساخبِرُك عن الشيطاني.
الانسان ذو الطبيعة الظالمة لا يعرف الحدود بين ما يحقُّ له وما لا يحقّ، وهو ليس ذا نيّة طيبة ومخادع، 
لا يرى حقيقة في الوجود ولا عِلّة، يرى ان التظاهر الكوني خبْط عشواء، ولا مُحَرِّك في الحياة عدا الشهوة والطمع، ولا غاية للكون ولا قانون.
الذين اعتنقوا تلك المُعتَقَدات يضلّون ضلالا بعيداً وقد اظلمت قلوبهم بالجهل والغباء، فانهمكوا باعمال ضارّة تؤدّي الى هلاك الانسان.
ينكبّون على شهوات لا تهدأ، سَكِروا بالفخر والعظمة الواهيان، اعمى الغرور قلوبهم، يسعون الى ما هو فانٍ، يزدهرون بالاثمِ ولا يخجلون.
غمّهم الجَزَعُ والقلق العظيمان، التهوا بالتكاثُر حتى زاروا قبورهم، هذي غايتهم في الحيوات، لقد كبّلوا انفسهم بأغلال الشهوة والغضب، فقضوا اعمارهم مستثرين حراماً لاشباع ما يرغبون.
يقولون: "هذا ما ربحتُه اليوم، وهذا ما سأربحه غداً وِفْقَ رغبتي، هكذا تنمو ثروتي، هذا العدو سحقتُه اليوم، وذاك سأسحقه غداً، فانا لا أُقهَر، انا غني وسعيد وفخور بأقربائي الوُجَهاء، لا قرين لي، فسوف اقدّم الاضاحي واوزِّع الصدقات لكي تدوم نعمتي".
لقد صلّوا في جهلهم، فتراكمت مخاوفهم، ولبّكتهم اوهامهم وتشابكت متطلّباتهم وادمنوا ملذّاتهم، مُنحَدِرين في عالم جهنّم آسن.
مُختالون سُفَهاء، غرّهم المال، يقدّمون الاضاحي والصَدَقات رياء، فلا يعرفون حدودها ولا يفهمون. اعْمَتْهم انانيتهم، غرِقوا في ماديّتهم، عَمَهوا في غرورهم وشهواتهم، استعرّ غضبهم فكفروا بي وانا في انفُسِهم وانفُس كلّ الخلق، جاحدين ناكرين.
اولئك الذين هم كُفّار فُجّار اسفل سافلين، ابعثُهم في ارحام جِنّةٍ كأمثالهم، مسكْنُهم جهنّم آبدين.
حياة تتلو حياةً ولا يتوبون، فقد ابعدتُهم ابداً في اجسام جِنّةٍ، هذا قَدَرهم ولا يرجعون،
يا ابن كونتي، هناك ثلاث بوّابات لجهنّم هلاك النفس، الشهوة والطمع والغَيْظ، فلا تقربْها تفعل حسناً لنفسك.
ان الذي لا يَقرَبُ مداخل الجهل الثلاثة هو الذي يسعى لخلاص نفسه، ولسوف يصل الى المقام العليّ. 
واما الذي رَفَض الحدود في الكتب، يفعل ما تأمُرُه نفسه، فلَن يصل الى الكمال ولن يأمَن في السلام ولَن يكون عليّ المقام.
فاتبع الدليل في الكتب، في الواجبات والنواهي، الكتب تُشير الى الحدود لهداية الانسان.
________________________________________
الدرس السابع عشر
المُعتَقَدات
ارجونا: بعض الناس، يا كرشنا، لا يتّبعون الكُتُب، ولكنهم يعبدون ما تدلّهم عليه طبيعتهم، فهل اعتقادهم ذو علّة تناغُميّة او حركيّة او سكونيّة؟
كرشنا: انّ المعتقدات البشرية تتبع الطبائع في التناغُم والحركة والسكون، فاسمع ما سأُبَيّن لك. 
يا ابن باراتا، انّ معتقد الانسان مكوَّن من طبيعتِه وان الانسان مكوّن من معتقدِه.
الذين ذوو طبع التناغم يعبدون الآلهة، والذين ذوو طبع الحركة يعبدون الشياطين، والذين ذوو طبع السكون يعبدون الاشباح.
انّ الذين يسلكون مسالك تقشّف مؤذية لم تحلّها الكُتب تباهياً، يدفعهم غرورهم وحبّ الشهرة والهوى، يعذّبون الروح التي في اجسامهم ويخالفون قوانين الطبيعة، هم لا شكّ من الشياطين.
حتى طعام الانسان يلائم الطبائع الثلاثة، وايضاً الاضاحي والرياضة النفسية والصَدَقات، فاسمع.
الذين هم في طبع التناغُم يستطيبون الطعام الصحّي المقوّي، يأكلونه هنيئاً، انه الطعام الرطيب الدهني، يُطيل العمر، لذّة للآكلين.
الذين هم في طبع الحركة يستطيبون الطعام المرّ والحامض والمالح والحارّ والحادّ والجافّ والحِرّيف، يُسبّب المرض والكآبة والالم.
وامّا الذين في طبع السكون فإنهم يرغبون الطعام البائت الذي لا طعمَ له، رديء الرائحة، منفِّراً، فضلات الآخرين.
انّ الذين يضحّون عَمَلاً بما جاء في الكُتُب، لا يريدون اجراً، فهو واجبُهم، هؤلاء يضحّون في طبع التناغُم. وانّ الذين يُضحّون رياءً وطَمَعاً بأجر، يا ابن باراتا، فإنهم يضحّون في طبع الحركة.
واما الذين يضحّون جاهلين كنه التضحية الروحي، فلا يوزّعون الطعام ولا يرتّلون الصلوات ولا يُعطون لأبناء السبيل، فانهم يضحّون في طبيعة السكون،

انّ عبادة الرب واتِّباع تعاليم المعلّمين الروحيين والالهة البشرية، وانّ الحياة البسيطة النظيفة العفيفة، الخالية من العُنف، هي الرياضة الجسمانية. 
وانّ الكلام القليل النافع الصادق الذي لا يبتغي اثارة شغبٍ، وانّ دراسة الكُتُب، هي رياضة اللسان.
واما رياضة العقل، فهي ابتغاء رضى العقل، والنظرالى كلّ الخلق بعين واحدة، والتوجّه الى النفس لفهم اسرارها وحزمها وتزكيتها.

فإنّ الذين يمارسون الرياضات تباهياً وتعبّداً، هؤلاء يريضون في طبع الحركة، رياضتهم آنية، ثمارها لا تدوم. واما الذين يُعَذّبون انفسهم والناس ظنّاً ان 
ذلك يكفّر عنهم، فهُم حُمقٌ وفي طبع السكون.
انّ الصدقات التي تُوَزَّع لمُستحقّيها في الوقت المناسب التي لا تتوخّى اجراً ولا شُكراً، هذه صدقات في طبيعة التناغم.
وان الصدقات التي تبتغي اجراً او مكسباً او لِمأربٍ في النفس أو ليست من القلب، هذه هي صدقات في طبع الحركة. 
واما الصدقات التي تُعطى في مكانٍ دنسٍ في ساعة مشؤومة لغير مُستَحِق وبغير تفكُّر او حسبان، فانها في طبع السكون.
أومْ تاتْ ساتْ، الوجود المحض الخير، ثلاث كلمات مقدّسة استعملها الاقدمون للاشارة الى الرب (جلا جلاله)، ويستعملها ابناء السبيل في صلواتهم وقد وردت في الفيدا.
فكل شعائر التضحية والصَدَقات والتكفير تبدأ بـ أوم، كما جاء في الكتب.
وكلّ اعمال التضحية والتكفير والصدقات التي لا تتوخّى اجراً تبدأ بـ تات، للذين يسعون لحريّة انفسهم. واما سات فهي طبيعة الوجود وطبيعة طالب الحقيقة، ، تبدأ بها كل اعمال الخير.
كلّ عبادة او شعار يُقيمه الانسان، يا ابن باراتا، هباء منثور، ما لم يحصّنه الايمان ، فهو لا ينفع الانسان لا في دنياه ولا في آخرته.
________________________________________
توضيح
ربما تكون مظاهر معتقدات الناس وطرائقها قد تغيّرت عبر التاريخ المعروف، لكن طبائعهم لم تتغيّر، وهي لا تتغيّر.
ان الطبائع الثلاثة، كما وصَفَتها الـ غيتا، وصفتها بالنظر الى ما دَرَج من من ممارسات في ذلك الزمان، فلا بدّ اذاً ان نتساءل اليوم، هل لهذه النظرة نظرة موازية في الكتب المقدّسة والحكمة؟
انّ البشر اليوم ينقسمون الى ثلاث مجموعات بحسب أُطُر معتقداتهم: التنزيليّون والماديّون والموحّدون... سنكتفي الآن بإلقاء الضوء على هذه المعتقدات من وُجهة نظر العلل الثلاث.
ان التنزيليّين، على تعدُّد دياناتهم وطوائفهم وطقوسهم وشعائرهم وشرائعهم، يبتدئون بالتسليم بمُعطَياتٍ غير مبنيّة على البرهان، فإن هذا يضعهم جميعاً في اطار اللاعقلانية التي يُسمّونها ايماناً، فإننا نقول: انّها لو كانت ايماناً لَهَدَت بصائرَهم الى الحقّ عينه، الذي يقولون جميعاً انهم يؤمنون به، ولكنّ الواقع انها جذبت انظارهم الى مظاهر مختلفة حسبوها حقاً، فكانت سبباً لاختلافهم وعداواتهم.
انّ اللاعقلانيّة لا تحاول فَهْم الاشياء، ولا ترى قانوناً لأي شيء، لأنّها ترى ارادة الخالق (جلّ وعلا) اعتباطية، تعالى على وصفهم، وصفوه باوصافهم الناقصة، وهو الرحمة والكمال. ولقد اوضحنا لكم في صفحات سابقة انّ ما سُمّي بخطيئة آدم الاولى لم يكن عصياناً لقانون اعتباطيّ، كما يرويها التنزيليون، لكنّ القصّة وردت في الكتاب مُبَسّطة، رحمة بعقولهم الضعيفة، فانّهم، وحتى بعد شرحنا لها لن يفهموها.
انّ الطبع السكوني التي تتحدّث عنه الغيتا هو ما تأتي منه اللاعقلانيّة، وكل المعتقدات التنزيلية اليوم. 
امّا الماديّون، فهم لا يقرّون بوجود الا للمادّة، وهم يردّون كلّ ظاهرة الى عِللها الطبيعية، وهكذا استطاعوا بالتحليل الفكري ان يستخلِصوا قوانيناً طبيعيةً للتظاهر الكوني، الّا ان المعتقدات المادية ليست عقلانيّة، فإنّ العقل بالنسبة لها هو وليدُ الطبيعة المادية التي لا مُحرِّك لاحداثها عدا العشوائية. انّ العشوائية عند الماديّين هي مَثيل الاعتباطيّة عند التنزيليّين.
ان الطبع الحركي في الغيتا هو الذي يولِّد العقائد الماديّة بشتّى اسمائها وتوجّهاتها الفكرية والدنيويّة.
انّ الحضارات التي في طبع السكون اليوم هي الحضارات التي فَشِلَت حتى عن فهم الطبيعة وعِللها وقوانينها، وعندما يُغلَق باب العقل وباب الفكر التحليلي، تتفتّح ابواب اللاعقلانيّة لكلّ الادّعاءات، وتاخذ الخُرافات والاوهام مكام الوقائع.
واما الحضارات التي في طبع الحركة اليوم، فهي التي حقّقت انجازاً ماديّاً وتفوّقاً تِقَنيّاً، الا انها فشلت بأن ترى كُنها للحياة والوجود.
انّ الحكمة الشريفة تُسمّي هذين الاطارَيْن تلحيداً، وانّ كلمة تلحيد، لغويّاً، تعني الخروج على الخطّ المرسوم. فأمّا التوحيد فانّه يستحيل وصفه شاملاً، فانّه مَرْتَبة روحية ادراكيّة وجدانيّة، فإن المعتقدات التي يُمكن ان تُعَرَّف بجدولٍ من المسلّمات والاقتناعات والمقولات والواجبات والمنهَيات هي كلّها من قبيل التلحيد، فهي عَرَضٌ من الحقّ في مكانٍ ما وزمان.
انّ الموحدّين هم الذين عرفوا مولاهم اوّل مرّةٍ، وانّ المُشهادة هي برهان البراهين، وهي فعل تقوم به البصيرة وليس اللسان، فوجبت قلوبهم وجذبهم اليه، وخشعوا رهبة جلاله وجماله، وعلّمهم الحقيقة والمعرفة والوجود والتنزيه. 
انّ الموحّدين يرون الوجود حقّاً في نفوسهم، هذا الحق الذي هو ارادة الرب (جلّ جلاله) ...
انّ الحق سابق الامكان، وانّ الامكان سابق الاعتباط والعشوائية التي هي عَرَض، لذلك فإن الاعتقاد بالاعتباطيّة او العشوائيّة إشراك، وامّا الحقّ فهو الإيمان.
انّنا اذا مثّلنا الحياة الدنيا بِكُرةٍ يقف البشر على سَطْحِها الداخلي، فإنّ الحق هو مركز الكُرة، وكلّ نفسٍ وكلّ شيء على سطح الكُرة شعاع من ذلك المركز، فإن التنزيليّون هم جماعات، كلّ جماعة تسكن نُقطة ما يرونها نقطة الصواب حصراً، التي لن يرفعهم المولى الى جنّته ما لم يجِدْهم عليها؛
والماديّون هم الهائمون على سطح الكُرة من نقطةٍ الى اخرى بحثاً عن السعادة عليها؛ واما الموحّدون فهُم الذين يستطيعون النظر عالياً الى مركز الكرة من ايّة نقطة شاؤوا، فهُم يعلمون انّهم وكلّ شيء اشعّة المركز عينه، وهم ينجذبون اليه بالمحبة.
________________________________________
مقدّمة الدرس الثامن عشر
قيل ان الدرس الأخير يلخّص الدروس السابقة كلّها، فهو يبتدىء بسؤال مثيل لأسئلة سابقة، فتعوّد انشودة العقل، فإنّ العبادة منشودها وليست نشيدها.
انّ الطُرُق التي استفسر عنها ارجونا لا بدّ انّها كانت الطرق المعروفة في ذلك الزمان في الهند، وما تزال الى الزمان الحاضر، ولكن رُغمَ تعليم كرِشنا والسيّد المسيح، عليهما صِلات الصلاة، انّ المطلوب شيء واحد، ورُغم التحذير المتكرّر في القرآن العظيم من الأشراك، فإنّ اكثر الناس وقعوا في فخّ العِلّة والمعلول، فترونهم يتساءلون. فإذا سجدنا كذلك نكون من الساجدين؟ قولوا: فاسجِدوا ان كنتم صادقين.
انهم الذين ان سألتم من خلق العالم قالوا الله وحده، لكنّهم لا يؤمنون، كما جاء في الكتاب العظيم، فلا التسليم ايمان ولا الاقتناع، وليس هناك وصف للالوان للمُصاب بعمى الالوان.
الم يُعاهدوا ربّهم منذ ظهورهم ان لا يعبدوا الا ايّاه، وقد شهدوا على انفسهم، فذكّرهم لَعَلّ الذكرى تنفع المؤمنين.
الدرس الثامن عشر 
ارجونا: اريد ان افهم يا سيّد الحواس، وقاتل الشر، ما الفرق بين الزُهْد والهجرة؟
كرشنا: الهجرة هو الاقلاع عن الافعال الي تحضّها الرغبة والهوى، يقول العارفون، والزهد هو رفض ثمرات الفعل، كما علّم الحكماء. 
ويقول بعض انّه يجب الامتناع عن كلّ الافعال، لانها كلّها تحمل قِسطاً من الاثم، لكن بعضاً آخراً يرى ان التضحية والصدقات والتكفير يجب ان تستمر.
فاسمع يا ابن باراتا، ايها النمر البشري، انّ هناك ثلاث درجات للسبات، كما جاء في الكتب.
انّ الصدقات والتضحية والتكفير اعمال يجب ان تستمر، فهي تُطهّر النفوس، حتى العظيمة منها. لكن هذه الاعمال، يا ابن باراتا، يجب ان تُنْجَز من غير توقّع لأجر، هذا رأيي.
ان الذي يَسْبُتُ جهلاً لواجباته فهو في طبيعة السكون، فالواجبات التي فرضتها الكتب يجب ان تُقام.
وانّ الذي يسبُت تقاعساً او تجنّباً لخسران فهو في طبيعة الحركة، وسباته لا ينفعه.
وامّا الذي يقوم بواجبه لأنه واجبه، زاهداً بثمار فعله، فهو في طبيعة التناغُم.
انّ الذي لا ينفر من عمل يكرهه، ولا يندفع الى العمل الذي يحبّه، هو في طبيعة التناغم، وهو عاقل لا يزعزعه الشك.
انه يستحيل على الانسان السبات كلّياً، لكن الذي يفعل زاهداً بثمار فعله، فهذا هو الزهد حقاً. 
تتجمّع ثمار الافعال فتقود صاحبها الى الجنّة او الجحيم او الى مزيج من الاثنين، بعد الموت للذين لا يزهدون بها، واما الزاهدون فلا يعانون هذا المصير.
ايها الفارس المدرّع، هناك خمسة شركاء في الفعل، بحسب الكتب، فاسمع ما هي،
الجسم - والنفس الجسمية - واداة الفعل - وموضوع الفعل - والقانون الذي بأمره يتم الفعل.
كلّ عمل يقوم به الانسان، جِسميّاً او خِطابياً او فِكريّاً، صواباً كان ام خطأً، فإن هؤلاء الخمسة هم الفاعلون.
انّ الذي يرى انه هو فاعل افعاله منفرِداً لا يرى واضحاً، فقد اظلم الغباء فكره.
انّ الذي لم يغُرُّ قلبه الغرور ولم يُربِك عقله الفكر المبني على التظاهُر الكوني، فإنه وان قَتَل في الحرب فهو لم يقتُل، ولا يكلّفه عمله.
المعرفة والمعروف والعارف ثلاثة تحضُّ على الفعل، والحواس والفعل والفاعل ثلاثة تؤلّف الفعل. 
هناك ثلاث مرتبات للمعرفة، وفق علل الطبيعة، وثلاث للفعل والفاعل، فاسمع.
انّ المعرفة التي بُنِيَت على انّ هناك واحد لا يفنى ولا اجزاء له، يظهر متفرّقاً في الخلق، هي معرفة في طبيعة التناغُم.
وانّ المعرفة التي بنِيَت على الفرق والعَدَد والاختلاف في الخلق، هي معرفة في طبيعة الحركة.
واما المعرفة التي تُبَسِّطُ موضوعها في عَمَلٍ واحد، فلا ترى سبباً ولا تفهم الواقع، هي معرفة في طبيعة السكون.
وانّ العمل الذي يُنجَز لأنه واجب، لا هوىً ولا حُبّاً ولا كراهية، ولا يحضّه اجر، هو عمل في طبيعة التناغُم.
وانّ العمل الذي يُنجَز رغبة بثماره، غروراً وزَمَعاً، هو عمل في طبيعة الحركة.
واما العمل الذي لا يحسب العواقب ولا الاثم، وان كان فيه اذىً للناس، يسحلّه الفاعل جهلاً، هذا عمل في طبيعة السكون.
انّ الفاعل الذي لا يسعى لِكَسْب مادي ولا يحثّه غرور والذي هو مصمّم ومُثابر على عمله، وصبور، فلا ييأس في الفشل ولا يحفِزُه النجاح، هو الفاعل في طبيعة التناغُم.
انّ الفاعل الهائج الطامع في ثمار عمله، الحسود الآثم ، الراغب في السرور، النافر من الألم، هو فاعل في طبيعة الحركة.
واما الفاعل الذي يستشير الكتب، المادّي العنيد المخادع السفيه الكسول الغضوب المُماطِل، فهذا هو الفاعِل في طبيعة السكون.
اسمع الآن يا ارجونا، وسوف ابيّن لك مراتب الادراك، وفق العلل الطبيعية. 
انّ الادراك الذي يميّز بين الواجب من الفعل والمحرَّم منه، وبين الإِقدام والخوف، وبين قيود النفس وحرّيتها، هو ادراك في طبيعة التناغُم.
وانّ الادراك الذي لا يفرّق بين تعاليم الدين والتعاليم التلحيدية، ولا بين الواجب والحرام، هذا الادراك في طبيعة الحركة.
واما الادراك الذي يخلط الدين بالكفر، فقد اظلم القلب بالجهل واعمى بصيرته وتاه في ضلالٍ بعيد، هذا الادراك في طبيعة السكون.
ان السعي الذي يحثّه العقل، والذي يُخضِع الحواس وقِوى الجسم باليوغا، ومن غير تردّد، هذا السعي في طبيعة التناغُم.
وانّ السعي الذي يحثّه الهوى، والذي يتبع الكتب طمعاً باجرٍ مادي ورغبة باشياءٍ حسيّة، هذا السعي في طبيعة الحركة.
وامّا السعي الذي ليس الا تخيّلاً وخوفاُ وأسفاً وهمّاً ووهماً، يتمسّك صاحبه بأمراض قلبه عنيداً احمقاً، هذا السعي يا ابن كونتي في طبيعة السكون.
والآن اسمع يا ارجونا، فسوف ابيّن لك مراتب السعادة، فتعرف ايّة سعادة تُخلّص النفس من اليأس والاحزان حقاً.
تلك التي تبدأ بالألم، كأنها سُمّ، لكنها تنتهي بشراب كافور، حافِزُها العقل، الساعي لرضى النفس وسلامها، هذه سعادة في طبيعة التناغُم.
تلك التي في إطار الحواس والمحسوسات، هي شراب كافور في البدء، سرعان ما ينقلِب سُمّاً زُعافاً، هذه سعادة في طبيعة الحركة.
واما تلك التي هي في النهاية كما هي في البدء، هي وليدة الوهم والجهل والخمول، هذه سعادة وهمية في طبيعة السكون.
كلّ كائن في هذا العالم، وفي المدارات الشمسية العليا، بشراً كان ام الهاً، في الجسم الطيني، خاضع للعلل الطبيعية الثلاث.
البشر في مجتمعاتهم ينقسمون في اربع طبقات، وفق طبائعهم وليدة العلل الطبيعية، طبقة الحكماء والنُسّاك، طبقة القادة والفرسانن طبقة التجّار، وطبقة الخَدَم يا قاهر الاعداء.
المسالمة وحزْم النفس، والتقشّف والطهارة والصبر والصدق والمعرفة والحِكمة والتديّن، هذه كلها كارما النُسّاك في طبعِهم.
البطولة والقوة والعزيمة والمَقْدِرة والشجاعة والكرم والقيادة، هي كارما الفرسان في طبعهم.
الزراعة والتجارة ورعاية قُطعان المواشي هي كارما التجار في طبعهم، واما الخَدَم فكارماهم مساعدة الآخرين.
انّ الذي يقوم بعمله الطبيعي سوف يبلغ الكمال، انّ الذي يُنجز واجباته سوف يبلغ الكمال، فاسمع. ان الذي يعبد الرب وحده، خالق الكائنات، الذي يشعّ في كل شيء سوف يصل الى الكمال.
انّه لخير للانسان ان يقوم بعمله الطبيعي، ولو عجز عن اتمامه، من ان يقوم بعمل آخر، ولو استطاع اتمامه، فإنّ عمل الانسان الطبيعي لا يُرَتّب عليه اثماً.
كلّ فعل يا ابن كونتي، مَشوبٌ بالخطأ ، كما يُغطّي النار الدُخان، ولكن لا يتخلّى الانسان عن عمله، كيفما كان الحال.
انّ الذي هجر الهوى وتوجّه الى العقل، حازماً نفسه اينما كان، وقد تحرّر من الرغبات والأمل، فلا يعاكس مجرى الامور، متمرِّساً بالزهد، فسوف يتزكّى ويصل للكمال.
سأعلّمك الان يا ابن كونتي، كيف الذي بلغ هذا الكمال يستطيع ان يصل الى براهمَن، المعرفة الحقيقية المُنزّه، باختصار، يتبع هُدى العقل صادقاً مصمِّماً، مُسيطِراً على حواسّه بعيداً عن اهواء النفس، لا يكره شيئاً، قانتٌ وحازمُ نفسه على طريق اليوغا، ليلاً نهاراً، لا يتعلّق بشيء وقد خلا من الغرور والفخر والتبجّح والغضب والشهوات، عافّاً عن الملكيّات الزائلة، مسالم في عزلته آكلاً الا قليلاً، هذا الانسان سوف يعرف ذاته.
ان الذي وصل مقام الوحدة عمّت السعادة نفسه، فلا يعاني من اسفٍ او رغبات بعد الآن، مُحِبّاً لكلّ الخلق، سوف يتفانى ويسمو اليّ.
الذي تزكّى يعرفني في حقيقتي، وسوف يدخل ملكوتي. فهو ان فعل فعلاً، فإنه يفعله بإذني ورحمتي، وسوف يرجع الى مقامي الأزلي.
بارادتك كرِّس اعمالك لي وازهد في ثمراتها، وبإذني تذكّى، اجعلني عوذَك وتوجّه اليّ في كلّ نبضة من نبضات قلبك،
فإن تُوَجِّه قلبك اليّ تذلّلت صِعابك رحمة منّي، ولسوف تنتصر، واما اذا اصَمّك الغرور ولم تسمع ما علّمتك فقد ضللت.
انّك اذا غرّتك نفسك ان ما علّمتُك خطأ فلا تقاتِل، فإن طبيعتك في ولادتك سوف تقودك الى السجال.
هذه كاراماك يا ابن كونتي، هذه طبيعتك التي وُلِدْتَ بها، فإن رفضتّ فهو توهُّم، فإنّك والحال هذه لسوف تقاتِل.
الحق في القلوب، كلّ الخلق يا ارجونا يخلق الحركة، فكلّ الخلق في حركة متواصلة ذاتيّة طبيعيّة. 
سَلِّم له يا ابن باراتا، سلِّم امرك له، فبمشيئته وبركته سوف تصل الى مقامه العلي الاعلى، حيث السلام والطمأنينة الأبديان.
ها قد علّمتُك عِلماً في سرّ السرّية، فتفكّر به برويّة، وثم افعل ما يحلو لك.
اسمع مرّة ثانية تعليمي السرّي الإلاهي، فأنا اعلّمك لأنك عزيز عليّ، وفيه ما ينفعك.
فكّر فيّي دائماً، تفانى بي، اعبدني، استغفرني، ولسوف تجدني، هذا وعدي لك، فأنت عزيز عليّ.
دع الوصايا والكتب جانباً، توجّه اليّ وسلِّم ليَ، ولسوف اخلّصك من اثم الفعل، فلا تخف ولا تعطِ هذا العلم للذين لا يزهدون ولا يكرّسون حياتهم ليَ، ابداً، ولا للمغرور الذي يهزأ منّي.
اما الذي يعلِّم هذا العلم الباطني للذين يحبونني ويتفانون في سبيلي ويشرحه لهم، فقد عمل خيراً، وسوف يصل اليّ، كُن على يقين.
ليس احد بين الخلق أَحَبَّ منه اليّ في هذا العالم، ولن يأتي يوم فيه يكون.
انّ الذي يقرأ هذا الحديث القُدسي ويعقله فقد سَمِعَ ندائي وتوجّه اليّ، هذا رأيي.
وانّ الذي ينسط لهذا الحديث مؤمناً غير هازئ فهو ايضاً على سبيل الخلاص، سوف يسمو الى كواكب الاتقياء الصالحين.
ارجونا يا ابن باراتا، هل استمعت لي بكلّ انتباهك وبعقلك؟ هل بدّدت ظلمات واوهام جهلك؟
ارجونا: كرشنا، ايها المعصوم عن الخطأ، لقد ذَهَبَت حيرتي واستعدْتُ ذاكرتي بإذنك ورحمتِك، ولم يبقَ ريب في قلبي وانا مستعد لتنفيذ اوامرك.
سانجايا: هكذا سمعتُ حديث الروحَيْن العظيمَيْن، كرشنا وارجونا، فوقف الشعر في رأسي.
بإذن "فياسا"، سمعتُ كرشنا، سيِّد العلم الباطني، يخاطب ارجونا.
ايّها الملك، اشعر بفرحٍ كلّما عاودتني آيات هذا الحديث.
انّي اتذكّر صورة كرشنا البهيّة، فلا اكتفي من هذه النشوة الروحيّة. 
اينما حلّ كرشنا سيد العلم الباطني، وارجونا ذو القوس والسهم، فسيكون هناك خير وجلال وعدل وقدرة وخلقٌ عظيم، هذا رأيي.
________________________________________
الخاتمة
انّ صفحات الغيتا القليلة العدد في قلب تلك الملحمة العظيمة هي الجوهر الكامن في مظاهر الاشياء، وانّ انتصار ارجونا الحقيقي لم يكن انتصاراً على الجيوش الجرّارة، بل على قيود نفسه، وليدة العِلّة والمعلول.
انّ ارجونا بُعِثَ مِراراً ليُعَلّم كلمة مولاه العقل الكلّي، فهو ذراع من اذرعه (علية السلام)...
انّ في اسطر الغيتا والكتاب والحكمة نوافذا تتدفّق منها الجاذبية والنور، لا يجدها الا الذي مَدّ سبباً الى السماء، فيجب قلبه وتدمع عيناه وتتوشوش اذناه، وكلّما ازداد اقتراباً ازداد طَرَباً 

وخشوعاً، وانتابته مشاعر روحيّة علويّة، لا تمت لعالم الفكر والحواس بصِلة، فهنيئاً له نعم المقام.



 


All rights reserved
Copyright The Circle of Beauty

  Site Map