داعش للجميع (1)

أفضل إنتقاد ينتقده الناس هو الإنتقاد الذاتي، لأنه يمكنهم من تصحيح أخطائهم،
و إذا كانوا قادرين على رؤية أخطائهم، آنئذ رؤيتهم لأخطاء غيرهم و التعبير عنها يصبح صادقاً و غير مُغرض،
و لكن هذا لا يمنع الفرد أو المجموعة من الإستماع للإنتقاد الموجّه إليهم من غيرهم،
فإذا كان مُتلقي الإنتقاد يمارس الإنتقاد الذاتي بصورة متواصلة: فسوف يرحب بالإنتقاد الموجّه إليه، و سوف يقيّمه و يستفيد منه،
أو يهمله، إذا وجده مُغرضاً و غير صادق،
و أما إذا كان مُتلقي الإنتقاد يظن نفسه مُحتكراً للصواب و الفضيلة، فسوف ينفعل و يتصرف بغير عقلانية.

ألذي حثني على هذا القول هو ما أقرؤه من الحملات التشهيرية بداعش، و التي أراها تنصب على المسلمين عامة و السنة منهم خاصة، 
و قد كتبت في الماضي عن هذه الظاهرة، و قلت أن داعش موجودة بدرجات متفاوتة لدى كل الطوائف، و أن على هذه الطوائف أن تبحث عن داعش في عقليتها و نفوسها و تقاتلها هناك، لأن هذا هو القتال الحقيقي الفعّال،
و قلتُ أن إذا أرجعت كل طائفة النظر في تاريخها القديم و المتقدّم فسوف تجد العقلية و النفسية الداعشية كامنة فيه، و دافعاً للكثير من أفعالها،
و أسرع للقول أن داعش قد ذهبت بممارساتها إلى الحد الأقصى، لكن وجودها المُلطّف الملجوم عند الطوائف الأخرى الآن ليس أقل شراً،
هذا الوجود لديه الإمكان ليتفجر غضباً و وحشية و بربرية في الظروف الملائمة، و ببركة رجال الدين

 

داعش للجميع (2)

قد يجد بعضُ العرب الحيادَ حيال الحروب الدائرة في بلادهم أمراً صعباً،
و عندما يقترب الخطرُ منهم يجدون أنفسهم مدفوعين للوقوف مع فريق ضد آخر، كما يقتضي دفاعهم عن أنفسهم، و هذا حقهم الطبيعي،
و الحروب الدائرة اليوم: يعمل مموّلوها و مسعّروها جهدهم لتوسيع رقعتها، و هي تتوسع باستمرار،
لكي يمحوِرا الناس حول أقطابها،
و يبتلعهم تنّين الغضب و الوحشية، و يتضخم بهم،
و هم يأملون أن ينتصروا،
لذلك فعلى الناس النبهاء الصادقين، الذين لا يضمرون الضرر و الدمار لأحد، أن لا يكونوا أداة يتصرف بها ساستهم و رجال أديانهم و طوائفهم و أثرياؤهم،
لكن ما دام الواحد منهم يرى أن الحروب الدائرة رحاها في الشرق هي حرب الدين الصحيح و الطائفة الصحيحة ضد الدين المخطئ و الطائفة المخطئة،
أو أنها حرب السياسة الصالحة و نظامها الصحيح ضد السياسة الفاسدة و نظامها الفاسد:
فإنه سيبقى هدفاً سهلاً للدعاية السياسية و الدينية،
ألتى لا يردعها رادع عن استعمال أية وسيلة، بالمبالغة و التمويه و التلفيق،
لبث الخوف و القلق،
لاستملاك عقولهم و قلوبهم، و يصبحوا أداةً لهم، و قطرة وقود يصبونه على نارهم،
لذلك فأفضل حماية من هذا القدر المأساوي، هو بأن يفتح الواحد منهم عقله و قلبه، ليرى أن الأديان و الطوائف: مثل بعضها،
تختلف بأزياء رجالها و زخارف بيوت شعائرها،
لكنها مثل بعضها
و أن السياسة: مثل بعضها،
تخدم المتسلطين على المناصب العليا و الدول التي تدعمهم،
لكنها مثل بعضها

 

داعش للجميع (3)

و أما أسوأ انتقاد، فهو الذي يتوخّى منه المُنتقد مدح نفسه،
و هذا لا يجب أن يُسمى انتقاداً، و كلمة انتقاد و نقد يجب أن تُستعمل للإشارة إلى أخطاء الآخرين بالأدلة و تحليل الوقائع، و عسى باقتراح تصحيح لها أيضاً،
أما هذا فهو الفن الذي يبرع به رجال السياسة و الدين،
عندما يتهاترون و يتشاتمون و يتراجمون و يتهمون بعضهم بعضاً تهماً باطلاً أحياناً ... من أجل تسعير الأحقاد و تعريض الفروق، ليس إلا،
و طبعاً ليظهروا بمظهر العاقل الحكيم التقي النقي،
لأن المُستمع يفترض أن كاشف مساوئ الآخرين لا بد أن يكون بريئاً منها،
لكن الواقع أن المتشدّق بمساوئ الآخرين هو في غالب الأحيان حامل للمساوئ عينها، بصيغة مختلفة،
و قد لفت نظري ما قرأته على الfb منذ فترة قصيرة،
يقول كاتبه أن الحملات الصليبية لم تكن عدوانية، كما يصوّرها المسلمون، بل لغاية حماية المسيحيين و بلادهم التي أُخذت منهم بالزحف الإسلامي، الذي نرى مثيلاً له اليوم في داعش،
و هذا لعمري أعجب ما سمعته أذن، و كأن الكاتب يحسب أن قرّاءه لا يعرفون شيئاً عن أوروبا في القرون الوسطى، و حروب المسيحيين بين بعضهم، و الفاتيكان الذي كان يملك أقوى جيش في أوروبا، الذي كان يستعمله لفرض سلطته على ملوكها و شعوبها، و لدعم الإقطاع و صيد الساحرات و الهراطقة و حرقهم أحياءً في ساحات المدن،
و لم يسمع عن الحروب الدينية في أوروبا الشرقية في التسعينات، و لا عن حرب لبنان الأهلية قبلها،
فصحّ القول: أغبى الناس من استغبى الناس،
و لا أريد أن أذكر قصص هذه الحروب المرعبة، لئلا يُظن أني أبرّئ الطوائف الأخرى منها،
فهذا مثل واحد من عديد، حيث تُستعمل همجية داعش و تخلّفها الحضاري والفكري كذخيرة لنفث عفن الحقد الديني، من صدور تقحّه على الناس لتنقل المرض المعدي لهم،
مُلبسين أنفسهم هنداماً متمدناً، يخبئون به الوحش عينه، الذي تعرضه داعش جهرا

 

داعش للجميع (4)

و الفريق الآخر من المادحين أنفسهم بذم داعش هم المسلمون، 
الذين لا تتوافق مذكرات ساستهم و رجال دينهم مع مذكرة داعش،
هذا يعطيهم ذخيرة للتشهير بداعش، من أجل إظهار الإسلام للعالم حسب فهمهم،
لكن الواقع أنكم لو جمعتم ممثلين لداعش و ممثلين لأي فريق إسلامي آخر، و طلبتم من الفريقين أن يتحاورا، فأنكم لن تجدوا أي فرق عقائدي بين الإثنين، 
و يصبح واضحاً أن هذه الجماعات الإسلامية العديدة لا تختلف إلا على انتماآتها السياسية المرتبطة بالسياسة و الصراع الدوليين،
و لا أريد أن أجرح مشاعر أحد، لكن عندما يُلقى الضوء على الوقائع فإن الحماس العاطفي يتلاشى، مُصيباً صاحبه بصدمة و خيبة الأمل،
فإني لا أجد فرقاً بين النظام الذي في إيران و ذلك الذي في السعودية أو أية دولة تعتمد ما يُسمى شريعة إسلامية، و بين داعش،
أو بين هؤلاء و بين أي حزب إسلامي آخر مثل الإخوان المسلمين و غيرهم،
و قد ثاقب أني شاهدت على الأخبار منذ أيام قليلة مقابلة مع واحد من قادة حماس، قال فيها أن حماس ليست متطرفة كداعش،
و غير متطرفة لا يعني أنها تتعارض مع داعش عقادياً،
و لكن يعني أنها لا تطلق أحكامها و لا تنفذها بالسرعة التي تعملها داعش،
فكل هذه الجماعات و الطوائف، المتطرفة و المعتدلة، القديمة و الحديثة، الرسمية المعترف بها دولياً و تلك التي تأخذ صيغة العصابات غير القانونية :
كلها تتبنى الفهم عينه للكتاب، و تختلف فقط على شدة أحكامها و عقوباتها التي تُنزلها بمخالفيها،
و كلها لديها مذكرة بإنشاء دولة إسلامية على غرار الدولة الإسلامية منذ ألف و أربع مئة سنة، حسب معرفتها بتاريخ ذلك الزمان،
لأن الزمان في نظر هؤلاء توقف هناك، و انتهى العلم الذي يستحقه الإنسان،
و أن إلاههم لا يرضى عنهم إلا إذا رضى عنهم أجدادهم في قبورهم

 

داعش للجميع (5)

و هناك الذين يجدون في داعش مادة دسمة لتركيب نظريات المؤامرات، و نظريات المؤامرات المضادة، و نظريات المؤامرات المضادة للمضاد ...
و في فهم هؤلاء: إطلاق نظريات المؤمرات دليلهم على ذكائهم و حنكتهم و خبرتهم بالسياسة، و كأنهم يقولون بها للعالم: "ما بتمشي علينا"،

و قد قلتُ سابقاً على هذه الصفحة أن المؤامرات لا تعمل إلا في النفوس التي تنفذها طوعاً،
فإذا كان العرب والشرقيون الأوسطون مقتنعين إلى هذا الحد أن العالم كله يتآمر عليهم فعليهم أن يتعاونوا مع بعضهم و يتفقوا،
و هذا يُبطل كل المؤامرات فوراً و في الحال،
ليس بالأسلحة الفتاكة و لا بالأقمار الإصطناعية تُبطَل المؤامرات، بل بصيانة النفوس من الحقد و الأنانية و الطمع و حب النكاية و الشماتة،
فإذا ذهبت هذه ذهب معها كل بائع أسلحة، و كل متبرع بها لقاء استعمالها،
و النية الطيبة مجلب للسلام و الأمان،
و هذه الوصفة البسيطة أقوى من الأسلحة و الأقمار الإصطناعية، 
و إذا قيل كيف نفكر و نشعر هكذا و أعدؤنا لا يضمرون غير الشر،
و الجواب أن الذين تقولون أنهم أعداء: لأنكم أنتم لا تضمرون لهم غير الشر، و تقولون أنه دفاعكم عن أنفسكم،
لكن الواقع أن هذ طريق، هو ذو اتجاهين ما دام موجوداً،

إن العرب و الفرس و الأتراك يتسكعون على أبواب الدول الصناعية و يقولون أعطونا أسلحة لنتقاتل،
و إذا أُعطوا سلاحاً يقولون هذه مؤامرة، و إذا لم يُعطَوه يقولون هذه مؤامرة،
فلا يعجبوا إذا هزء العالم منهم، و هم متفاخرين بأمجاد ماضيهم،
لست أعلم كيف سيصحى هؤلاء من هذا النوم المرعب في منزل الموت،
هذا لا جرم غضب عظيم من ربهم:
إذا كانوا أهل دين و كتاب فلأنهم بقوا على سنن الجاهلية و حجارتها،
و إذا كانوا من غير الدين فلأنهم استبدلوا خرافات رجال الدين بخرافات المعتقدات المادية،
لأن حبهم للشقاق و العداوة و الحرب شديد،
و ما داموا يحبونها لن يبخل الزمان عليهم،
كلما انتهت مشكلة بدت غيرها

 

داعش للجميع (6)

أما الذين يحبون داعش على درجات متفاوتة، فلنأخذهم فريقاً فريقاً،
ألفريق الأكبر هم الذين يتعاطفون معهم، لكنهم لا يذهبون مذهب الإنضمام إليهم،
لكن هؤلاء سوف يرحّبون بهم أو يقفون محايدين، عندما يدخلون مدنهم و بلادهم،
هؤلاء من المسلمين السنة، الذين تعلموا من رجال دينهم، في بيوت الشعائر و وسائل الإعلام،
أن الإسلام هو طائفتهم، حسب تفسير رجال دينهم و التاريخ الذي كتبه هؤلاء،
و أن عليهم أن يطيعوا أوامر ربهم حسب فهمهم، ليرضى عنهم و ينصرهم على أعدائهم،
و هذا الفريق، أكثرهم، و عسى كلهم، من الديّنين، الذين يقيمون الشعائر و يأكلون الأكل الحلال، و يتزوجون و يطلقون، و يرثون و يورِثون: حسب شرعهم،
لكنهم يرون أن هذا ليس كافياً لضمان رضى ربهم، لأنه لو رضي عنهم لنصرهم و جعلهم أقوى أمة،
فينظرون حالهم و يرون أنهم شعوب متفرقة مقهورة، تتلاعب بأقدارها الدول الكافرة الطامعة بموارد بلادهم، الفرحة بذلهم، و التي تستغل جهلهم لتبيعهم بضائعها، من الأسلحة إلى العطور،
و يقول لهم رجال دينهم أن هذه الدول لم تتقدم بالصناعة و التكنولوجيا إلا لأنها "سرقت" علوم المسلمين من القرآن و من علمائهم،
و يرون فساد حكامهم، الذين لا يتخذون الشريعة الإسلامية حسب فهمهم قانونَ بلادهم،
و يرون أن بعضاً من حكامهم غير مسلمين و غير سنيين،
و هذا يحرمه عليهم رجال دينهم،
هكذا يسير هؤلاء خطوة خطوة إلى ما يُسمى تطرفاً، 
و التطرف ليس إلا إقتصار النظر على حرف بعض آيات من القرآن،
بحجة أنها هكذا أُنزلت،
فيقعون على جانب ذلك الحد الحديد،
ذلك لأن الكلم في عقولهم، قبل إنزاله و بعده،
فهو يشير إليه و ليس لأي آخر،
و يعجز الكلم عن الوصول، إلا إذا وصلت العقول،
و قال لهم يدرك الأبصار و لا تدركه الأبصار،
فوجدوا إلاهاً يخلقهم ليعذبهم،
هكذا يجد هؤلاء في داعش أملاً في الخلاص من حكم الشيطان لهم،
و استعادة القوة للأمة الإسلامية و نصرها على غير المسلمين السنة،
و كما انتصرت بهذا المعتقد منذ ألف و أربع مئة سنة لا بد أن تنتصر اليوم أيضاً،
فيطرح السؤال نفسه: أين كان حكام العرب من مسلمين و غيرهم، و أين كان مفكروهم: عندما كانت هذه العتقدات تُدخل في عقول الناس، منذ القرن الماضي،
فرجال الدين المسلمون وجدوها موضة هذا العصر، و غير المسلمين منهم وجدوها حجة لرد الحقد الطائفي بالحقد الطائفي المضاد،
و رجال الحكم ركبوا على ظهرها ليصلوا إلى مناصبهم،
هكذا فإن الأهواء التي تزيد داعش حرّاً و انتشاراً هي أهواء الشعوب التي فشل قادتها و مفكروها في قيادتها، بل صاروا هم المنقادين،
و هذا ويل الأمة التي نعاجها تقود قادتها

 

داعش للجميع (7)

و الفريق الآخر من محبي داعش هم الذين ينضمون إليها، ليقاتلوا في صفوفها و يساعدوها بأية طريقة،
يأتون من البلاد التي غالبيتها إسلامية، و هؤلاء غير المتطوعين الذين يأتون من بلاد غربية، و سوف أتحدث عنهم في الرسلة اللاحقة،
و هذه الدول فيها أغلبية فقيرة، و أنظمها السياسية و الإقتصادية فاسدة، و حكامها طغاة، يخدمون مصالح الأثرياء و قبائلهم و أبناء عمهم و الدول الكبرى،
و ليست الأزمات الإقتصادية و غياب الإستقرار السياسي و عدم توفر فرص العمل و الأمّيّة و الجهالة عامة ... الأسباب الوحيدة التي تدفع بهم لدفع حياتهم التي يسترخصون ثمناً لجنة موعودةٍ،
فبعض من هؤلاء أبناء عائلات ميسورة، حاملون شهادات أكاديمية، تخولهم للعمل في أية دولة يشاؤون، ليؤمنوا لأنفسهم عيشاً كريماً،
و لا شك أن هؤلاء يعانون مما يعاني منه الفريق الأول، من ظلم الدول الكبرى و ذل الهزيمة و الهامشيّة بين الأمم، 
لكني لا أرى أن هذا دافع ليترك الناس أهليهم و أوطانهم و يرموا بأنفسهم إلى الموت ...
و لا يجب أن يُسمى هذا استشهاداَ، كما يصرّون، ذلك لأن في معتقدهم عينه: هناك أعداء لهم: يريدون أن يموتوا ردّاً لهم: و هؤلاء أيضاً يصرّون أن يُسمّوا أنفسهم شهداءً،
فهذه المُباطلة (paradox): لا يريد أن يتنبه لها رجال الدين: المسلمون منهم لأنها الذخيرة الكبرى في تسعير الحرب و الفتنة، و غير المسلمين منهم لأنها الذخيرة الكبرى في تسعير الحرب و الفتنة،
و هي واضحة وضوح الشمس،
فليس لرجال الدين مصلحة في إيقافها و كشف بُطلانها،
و أذكر، و كنت شاباً، في السنة الأولى من حرب لبنان الأهلية، و كان يموت بعض المقاتلين في غاراتهم على قرى المدنيين، قتلاً و هم يحاولون سرقة المنازل و قتل العُزّل و غصب النساء، فيؤتى بجثثهم و يُنعون شهداءَ،
فسألت رجلاً يلقبه تابعوه عالماً في الشريعة، و هو من محرّضي الحقد الديني و لم يجعل ذلك سراً: هل هؤلاء شهداء؟
فلم ينبث ببنت شفة، و اكتفى بابتسامة خفيّة، و كأنه يقول: لا أستطيع أن أجزم، و لكن لن أنكر لئلا يتوقفوا،
ظانّاً أنه حقق نصراً قضائياً في محكمة الزمان بصمته

 

داعش للجميع (8)

أما الذين ينضمون لداعش من دول غربية، فعسى أن هؤلاء من المساهمين الكبار في تأسيسها،
شبان نشأوا، و عساهم ولدوا في تلك البلاد الغنية التي التعليم فيها إلزامي و مجاني لأطفالها، و تؤمن فرص العمل و النجاح لكل من يجتهد و يجد،
لكني كررت القول مرّات كثيرة، أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،
فهؤلاء الشبان يترعرعون في بيئة يشعرون أنهم غرباء فيها،
ذلك لأن بيئتهم المنزلية تختلف عن البيئة الغربية، بل و ترفضها و تحتقرها،
وهذا يضعهم في عزلة إجتماعية و حضارية،
و أكثرهم: ليس أهلهم ذوي ثقافة و معرفة، فلا يتنبهون لوجود هذه المشكلة، و لا يعرفون كيف يساعدون أبناءهم على تجاوز هذه الصعاب،
فينعزلون في أحياء تكتظ بالمستوطنين الجدد الذين هم مثلهم و من دينهم،
و هذا يزيد الطين بلّاً،
و يقول لهم أهلهم و مجتمعهم أنهم أفضل من الغربيين بكثير، ليقاوموا عقدة النقص و عدم القابلية للإنخراط في البيئة الجددة: بعقدة تفوّق غير واقعي،
فيعتقدون أنهم خير من أهل تلك البلاد بتاريخهم المجيد و دينهم و شريعتهم، و أن ربهم فضلهم لأنهم وُلدوا مسلمين، و الجنة لهم إذا أطاعوه،
كثيرون منهم يفشلون بتحصيل العلم و المهارات المهنية الضرورية للنجاح في تلك البلاد، و أكثرهم لا يجدون في أبويهم و أقربائهم مثلاً جيداً ليقتدوا به، فهؤلاء هاجروا من بلادهم هرباً من ظروف أمنية و مادية صعبة، و طمعاً بضمان إجتماعي و صحي يشملهم من غير أن يكونوا منتجين يدفعون الضرائب المتوجبة عليهم، 
فيشبّون و عندما يبلغون سن المراهقة ينحرفون عن تقاليدهم و معتقداتهم، و ينزلون منازلاً هم غير مهيّئين لها في تقاليدهم و تربيتهم المنزلية، و غير قادرين على الخروج منها،
من علاقات جنسية منفلتة و تعاطي للمخدرات،
فيشردون شروداً بعيداً،
و بعض منهم يضيّعون كل فرص النجاح في حياتهم ويرون أن سنين شبابهم قد قاربت الإنتهاء و لم يحققوا شيئاً،
ثم يبدأ تأنيب ضميرهم لهم، و خوفُهم من عقاب الله الذي نحته أهلهم و رجال دينهم على قلوبهم،
و يلتقفهم المبشرون بالجنة، الذين هم أنفسهم عانوا من هذه الحال المحزنة، فاتخذوا الدين ملجأً،
و لم تكن حكومات الدول الغربية مستعدة لتقبل هذه الجاليات الإسلامية، و عسى أنها حسبتها مثل الجاليات الأيطالية و اليونانية و الأوروبية الشرقية و الشرقية القصوى، التي ليس لديها موانع دينية و حضارية لتندمج في بيئتها الجديدة، محافظةً إلى حدٍّ على لغاتها و عاداتها و تقاليدها و مطبوخها (cuisine) ...
و لا ننسى العامل الأكبر في تسعير الحقد في نفوس هؤلاء الشبان للغرب و حكوماته، التي تتحيز لدولة إسرائيل بصورة سافرة، و خاضت حربين ضد العراق وتركتها أمة مفككة منهارة، و حرباً ضد أفغانستان لم تسفر عن أية نتيجة إيجابية، و حروب مستمرة في شتى أنحاء العالم العربي تتورط فيها الدول الغربية بلا تحسب لعواقبها، و من زاوية الحفاظ على أمن دولة إسرائيل كأمر في قمة أولوياتها، 
حروب تتدمر فيها منازل الناس و مدنهم، و يُقتلون بلا ذنب إقترفوه، بينما يحاضر قادة تلك الدول عن حقوق الإنسان و الحرية ...

 

داعش للجميع (9)

و قبل أن أتابع الكلام عن الفِرق المستفيدة من داعش، حباً لها أو كرهاً، أريد أن ألقي ضوءً على ظاهرة الحقد التي تتفجر بالقتل الجماعي و الإنتحار،
فالغرب لا يخلو منها، و لا تُسمّى هناك إرهاباً، رغم أن بعضاً منها مدفوع بدوافع سياسية و عنصرية و دينية و إقتصادية ... عسى لأن هذه التسمية لا تناسب مذكرات ساسة الغرب و مؤسساته الدينية،
فإننا نسمع من وقت لآخر عن شبان يقومون بعمليات قتل جماعي و إنتحار في المدارس و الجامعات و شوارع المدن و بيوت الشعائر ... و إني أرى أن ظاهرة إسترخاص الحياة حالة مَرضيّة،
و هي ظاهرة واحدة لمرض واحد، و هو الإفلاس الفكري و الروحي و الأخلاقي عند شعوب الشرق الأوسط و الغرب سواءً،
و هي الفراغ في نفوس هؤلاء الشبان الذين لا يجدون أي معنىً للحياة، المسلمون منهم ينشدون جنة تصطف فيها العذارى إنتظاراً لهم، و الغربيون لا يريدون غير النجاح في علاقتهم الإجتماعية و العاطفية و في سعيهم المعيشي،
في الحالين يجد الواحد منهم نفسه دائم الخوف على أمله الباقي الوحيد، مُحاطاً بمخاطر و تهديد له، فينعزل أو يقصر علاقاته الأجتماعية على الذين يشاركونه هذه الحال،
و في الحالين يتشخص خوفه بعدو ما، يمثل في نظره الشر الذي يستشعره، عند المسلمين هذا العدو هو كل واحد ليس منهم، و عند الغربيين هو كل واحد ليس منهم،

فلترك المذكرات السياسية و انتهاز الفرص للوم الآخرين بغاية تسجيل الإصابات الكلامية جانباً،
فإن هذه ظاهرة واحد في هذا العصر الذي قد أفلس قادته السياسيون و الروحيون، و راح شبانه يرمون أنفسهم و الناس في الموت، هرباُ من حياة لا يرون لها غايةً و لا معنىً،
و ما دام رجال الدين مشغولين بالجدل و نعت بعضهم بعضاً أقبح النعوت، و كأن الأرض ساحة لجدالهم و قتالهم،
و ما دام رجال السياسة يرون أن مسؤولياتهم لا تتعدى النجاح الإقتصادي و فرض الأمن و النظام في بلادهم:
فإن هذا الفراغ باق في أنفس الناس، 
هذه الأنفس العظيمة التي هي نفس الله، لم يخلقها ربها لتعبد البشر و الحجارة، و لا المال و مصانعه

 

داعش للجميع (10)

و هناك الذين قُدّمت داعش لهم على طبق من فضة، فلم يكونوا يحلمون أن يصل الإرهاب إلى هذه الدرجة من القوة و التنظيم، مُهدداً أمن الشرق الأوسط و حكوماته بالإنهيار،
هذه ذريعة لهم ليتابعوا تدخلهم العسكري و السياسي في تلك البلاد، بحجة الدفاع عن حلفائهم،
ألشرق الأوسط منطقة مفتوحة لهم الآن، ليجربوا فيها أسلحتهم و برمجيتها (software) الجديدة، فهذه في حال تطوير دائم،
و ليدربوا طياريهم الجدد، و ليعرضوا عضلاتهم لأعدائهم و حلفائهم، فمن معتقداتهم: لا تأمن من أحد،
و ليبقوا في منصب الشرطي الدولي الذي نصّبوا أنفسهم، و لا يتجرّأ أحد على تحديهم،
و طبعاً هذه مهمة عظيمة لرؤساء تلك الدول، تضاف إلى لائحة أولوياتهم في حملاتهم الإنتخابية، لتخويف شعوبهم من خطر الإرهاب الإسلامي، و الظهور بمظهر حماة الديار،
و طبعاً ليظهروا للعالم كله بمظهر الحضارة المتحضرة، القادرة على القتل و التدمير، ليس بالسكاكين و المهدّه، بل بالضغط على الأزرار،
و جنودهم حليقو الذقون، يبتسمون أمام الكاميرات حين يعقدون مؤتمراً صحفياً، و يحسنون اختيار الكلام،
و ينقسم العرب بين مؤيد و مناوئ كما أوردتُ، كلاً حسب انتماآته السياسية،
فكما يحتاج الغرب لعدو ليبرر سياسته التسلطية، يحتاج العرب لعدو ليبقى تفسيرهم لكتبهم ونبوآت أئمتهم صحيحاً،
إن قادة العالم، من الشرق إلى الغرب، لا يعرفون سبباً لحياتهم غير الحرب و المنافسة،
و من وسط هذه الفوضى، هناك أناس إلتقطوا صوراً لكوكب بلوتو pluto، عسى لأول مرة منذ المليارات من السنين الأرضية،
و هو الذي كان قمر المدارات الشمسية الثلاث الكامنة الآن في مدار شمسي واحد بعد غرقها في الجاذبية الطبيعية و شمسها الحارقة، كما أوردتُ في رسلات سابقة،
و كان يدور حول تلك الفلك ليقربها من بعضها بجاذبيته، فتملأ دائرته البهية السماء ضياءً و ألواناً،
فيطير الناس فرحاً و عزاً، و يقفزون من فلك إلى آخر ليتعارفوا و يتحابّوا، بخلقهم البديع الجمال باختلافه،
ولّى ذلك الزمان، منذ أن استحب الناس الإستقلال عن الحق، ألا و هو العلم الخامس،
و هبطوا في الظلمات التي تضيؤها النار، بعض يعدو بعضاً، و هم في فجوة منه،
ينتظرون برقاً ليسيروا خطوةً، أخذ الله نورهم لأنهم لا يريدونه، فما لهم من نور، كما جاء في الكتاب العظيم

 

داعش للجميع (11)

و علي أن أصرّح أني أحب داعش،
لأني آمل أنها ستكون نهاية الوثنية و الشرع الجاهلي،
فهي قيح أديان الشرق الأوسط،
ألذي به يرفض أمراضه و يتخلص منها،
فحب الناس أو كرههم لها يشير إلى ما في نفوسهم،
متى تخلصوا منه ذهبت داعش،
و إنها باقية ما دامت أمراض الشرق الأوسط،
و إذا نجح أعداء داعش بالقضاء عليها فإنها سوف تتقمص مجموعةً أخرى بإسم آخر،
لتكون أشد قوة و أكثر تطرّفاً،
لأن داعش كما هي الآن: هي كل النظريات الإسلامية، المتعادية و المتحالفة، السنية المَيل منها والشيعية،
و هي أيضاً جاهلية الأديان غير الإسلامية،
فالقول أنها مؤامرة الغرب على الشرق، أو أنها مؤامرة الشرق على الغرب: لا ينفع شيئاً،
و التصحيح يجب أن يحصل في نفوس الشرقيين الأوسطين،
فالمسلمون منهم والمسيحيون و اليهود: عليهم أن يعيدوا النظر في فهمهم لكتبهم،
ألتي هي كتاب واحد،
و ما دامت هناك ذرة صغيرة من الظن في نفوسهم فإنها لن تلبث لتربو و تتمخّض عن حِمل ثقيل، يسحقهم و يسحق أعداءهم،
كلما جاءهم كتاب صحح أخطاءهم،
فلما رفضوه ازداد جهلهم،
فاليهود رفضوا التوحيد، فكتبوا على أنفسهم عصبية قومية،
و المسيحيون رفضوا التوحيد، فكتبوا على أنفسهم التسليم بابن الإنسان إلاهاً و ابن إلاه، لتُغفرَ خطاياهم،
و المسلمون رفضوا التوحيد، فكتبوا على أنفسهم شرعاً و شعائراً،
و الدروز لم يفهموا ما جاء في الكتب و الحكمة، فأغلقوها و حرّموا العلم على أنفسهم و على غيرهم من الناس،
هكذا انقلبت الكتب و الحكمة إلى شيء ضدها بقانون الوجود،
و ما دمتم ترون رجالاً يتزييَون بألبسة خاصة، و يلقبون أنفسهم ألقاباً دينية، يحملون كتاباً و يرجمون آخراً: فلن يتغير شيء، حتى تُفني الأديان و الطوائف بعضها بعضاً،
هذا الشرق هو الأمة الوسط، التي كان عليها أن تكون منارة العالم، بالفكر و العلم و الأخلاق، هي اليوم غافلة عن المتحديات الفكرية و العلمية والأخلاقية التي يواجهها العالم،
لأنها تحسب أن الزمان قد توقف في ماضىٍ من صنعها



 


All rights reserved
Copyright The Circle of Beauty

  Site Map